بين جغرافيا السلاح وتشظّي القلم.. الشهادة الثانوية السودانية على مقصلة التقسيم

كتبت: تماضر بكري
وها هي الحرب الدائرة في السودان تتحول من صراع عسكري إلى معارك “قضم وبتر” لملامح الدولة القومية، حيث يتجلى اليوم هذا الانقسام في أكثر صوره قتامة، حين يتم تمزيق الوجدان التعليمي ويوضع مستقبل الطلاب على مقصلة واقع جديد يفرضه شعار: (حكومتان، وشهادتان، وعملتان). ومسألة العملة، وإن كانت فاصلة اقتصادياً، فإنها لا تؤرق كما تؤرق الشهادة الثانوية.
فحين تعلن “حكومة تأسيس” في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع عن تنظيم امتحانات شهادة ثانوية خاصة بها، فإن ذلك لا يعني تدبيراً لإنقاذ العام الدراسي، بل يمثل إعلاناً صارخاً عن انفصال واقعي يضرب شرعية الدولة المركزية. وفي المقابل، تقف الحكومة الاتحادية في بورتسودان في موقع المدافع عن هيبة الورقة الرسمية، معتبرة أن أي خطوة خارج مظلتها لا قيمة لها.
وبين مطرقة بورتسودان وسندان “تأسيس”، يقف الطالب السوداني ليسأل بمرارة: ما القيمة الفعلية للشهادة التي سأحملها؟
وبكل الصدق، فإن طلابنا الناجحين في مناطق “تأسيس” لن يجدوا، وفق المعطيات الراهنة، باباً مفتوحاً في جامعة الخرطوم أو أي من الجامعات العريقة. فالجامعات الحكومية لا تملك ترف تجاوز شروط وزارة التعليم العالي المركزية، وهنا تظل القيمة الفعلية لتلك الشهادة “الموازية” محصورة في حدود الوعود السياسية والجامعات المستحدثة، أو الموجودة أصلاً داخل مناطق السيطرة.
والسؤال هنا: هل ستكون لهذه الشهادة قيمة في سوق التعليم الإقليمي والدولي؟ أم أنها ورقة محلية تفتقد للشرعية والتوثيق الخارجي من دولة معترف بها؟ أم أن حكومة “تأسيس” رتبت لذلك إقليمياً ودولياً؟
وهنا يبرز التساؤل الأهم: ماذا ينتظر قادة الدولة؟ هل استمرأ الجميع واقع التفتت حتى باتوا ينتظرون فقط رسم الحدود السياسية بعد أن رُسمت بالفعل على كراسات الامتحانات؟
والملاحظ أن ردة فعل حكومة بورتسودان تجاه هذا الجزء الأصيل من الوطن اتسمت بالبطء والاتكاء على البيروقراطية، متناسية أن التعليم هو الحبل السري الأخير الذي يربط أطراف البلاد. وفي المقابل، فإن عجز الدولة عن إيجاد مسارات آمنة تسمح لطلاب دارفور وكردفان بالجلوس لامتحان قومي موحد هو الذي فتح الباب واسعاً لظهور هذه “الشهادات البديلة”.
أما الطامة الكبرى، والتساؤل الأكبر، فيكمنان في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحركات المسلحة الأخرى، كحركة عبد الواحد محمد نور في جبل مرة أو الحركة الشعبية. فهل سيجلس طلابها لشهادة بورتسودان أم لشهادة “تأسيس”، أم سيبتكر كل فصيل امتحانه الخاص؟
إن هذا التشرذم ينسف تماماً ما تبقى من الهيبة العالمية للشهادة السودانية، التي كانت تاريخياً علامة إقليمية بارزة تعتمدها كبرى الجامعات بلا قيد. واليوم، وبعد سنوات من الهزات والتأجيل، تأتي رصاصة الانقسام لتجهز على سمعتها الأكاديمية.
فوجود شهادتين في دولة واحدة يحول التحصيل العلمي إلى “هوية سياسية وعسكرية”، وهو ما سينظر إليه العالم بريبة، ويتعامل معه بوصفه وثيقة مجهولة النسب الإداري.
فهل يعي هؤلاء وأولئك أن مستقبل أجيالنا لا يمر عبر “تسييس الامتحانات”؟
وبرأيي، فإن المخرج الوحيد هو إعلان “التعليم منطقة منزوعة السلاح”، والقبول بمبادرات وطنية تتيح مراكز امتحانات موحدة تحت إشراف منظمات دولية محايدة، مثل اليونسكو، بمنهج قومي واحد وشهادة واحدة.
وما لم يستوعب القادة ذلك، فإننا سنستيقظ على سودان ممزق الجغرافيا فعلاً، وعلى أجيال كاملة لا تعترف بشهاداتها سوى فوهات البنادق التي حرستها.



