
(تقرير) – 8 يونيو 2025 – في تظاهرة إبداعية مميزة، حشد فنانون تشكيليون سودانيون مجموعة من اللوحات البازخة بالجمال في معرض فني انطلق الأسبوع الماضي بقاعة الفنون في العاصمة الأوغندية كمبالا، وسط حضور نوعي من المهتمين والفنانين التشكيليين الأوغنديين ومن جنسيات أخرى.
المعرض التشكيلي، الذي يستمر لمدة شهر، حمل عنوان “حكايات كوشية”، وشارك فيه نحو 6 من كبار التشكيليين السودانيين من أجيال مختلفة يقيمون بين العاصمة الكينية نيروبي وأوغندا، على رأسهم الطيب ضو البيت، أحمد أبو شريعة، نصر الدين الدومة، محمد أحمد عبد الرسول، جلال يوسف، أمير يوسف، ومحمد عبد الرسول.
تلاقت أفكار هؤلاء المبدعين في معرض “حكايات كوشية”، وجاءت التسمية من الحضارة الكوشية القديمة التي نشأت على ضفاف النيل شمال السودان وامتدت لأكثر من ألفي عام منذ العام 1070 قبل الميلاد واستمرت حتى 350 ميلادية. وكانت حضارة كبيرة ازدهرت فيها هندسة العمارة والأهرامات والكتابة، وتطورت خلالها اللغة المروية إلى جانب الصناعة والتعدين، وكان للفنون فيها دور كبير.
يقول الفنان التشكيلي نصر الدين الدومة، في مقابلة مع “دروب”: “نحن أحوج إلى هذه الحضارة لأن بلدنا يمر بحروب سيئة جداً، لذلك أردنا إعادة ترميم الذاكرة بإعادة إنتاج الموروث الثقافي من جديد، وكل فنان تناول هذه الحضارة من منظوره الشخصي الذي يعبر عن آماله وطموحاته. اعتمدت على لوحة الحامل والرسم والتلوين، وضمّت أعمالي لوحات تجريدية وبالأقلام استخدمت فيها ألواناً مختلفة”.

وأشار إلى أنه يُحسب للمعرض أنه جمع أجيالاً مختلفة لم يحدث أن تلاقت في مكان واحد، حيث لاقى المعرض صدىً كبيراً بفضل التنظيم المميز والحضور الكبير من المهتمين والتشكيليين الأوغنديين والأجانب. وأضاف أنه خلال الفترة المقبلة سيكون هناك تلاقح فكري ونقاشات وتقديم أوراق في ختام المعرض تتناول الفن التشكيلي السوداني وعلاقته بالفن في شرق أفريقيا، ودور الفنانين الذين استقر بهم المقام في شرق أفريقيا قبل أكثر من 25 عاماً، مثل الطيب ضو البيت وأحمد أبو شريعة، “اللذين استطاعا أن يقدما صورة جيدة عن السودان، ومهدا لنا الطريق ووضعا ملامح للفن السوداني، وسنكمل نحن المشوار وسنقدم صورة عن الفن السوداني ومدارسه واتجاهاته وملامحه”.
وتوقع الدومة زيادة أعداد الزوار خلال الأيام المقبلة، لافتاً إلى أن الهدف من المعرض يتمثل في إعادة قراءة التاريخ، وأن الرسم جاء من خلفية حضارية وتاريخية بعد فترة طويلة من غياب العروض امتدت لأكثر من عامين، في تجسيد لأهمية الفن باعتباره رسالة إنسانية مهمة.
وأكد الدومة أن المعرض يعكس بعمق أن السودان ليس بلد صراعات فقط، وإنما هناك حضارة مثل كوش وغيرها وأشياء أخرى متقدمة. وأضاف: “هي حضارة لا تشبه تجويع الناس وتشريدهم، بلد كانت جميلة ومتحضرة، وما يحدث يجب أن يتوقف. نحن كتشكيليين لدينا تاريخ كبير جداً، ونريد أن نقول ونذكر ونطرق الأبواب ليتوقف ما يحدث، وحتى من دون حرب نعكس أن السودان فيه أناس عظماء يجب أن يُعطوا قيمتهم، والفنانون هم دبلوماسيون، وأعمالهم وأسماؤهم تشير إلى بلدهم، ونحن دعاة سلام، وهذه رسالة السلام التي كانت موجودة في الحضارة النوبية”.
الناجون
أما الفنان التشكيلي الطيب ضو البيت، فقال إن الرسالة الأساسية من المعرض تتمثل في إعادة قراءة التاريخ، ورسالة تؤكد أن السودان حاضر ثقافياً واجتماعياً بغض النظر عن دلالة أي لوحة، كما يعكس التنوع، وأن السودان ليس بلد نزاعات فحسب، وإنما بلد كبير موجود في عمق التاريخ وبه حضارات متقدمة يمكن رؤيتها من زوايا مختلفة، خصوصاً حضارة كوش والحضارة النوبية.
وأضاف أن أي إشارة إلى السودان تذكر العالم ببلدنا الذي يشهد نزاعاً مدمراً يجب أن يتوقف فوراً، لأنه لا يشبه هذه الحضارات ولا الطريقة التي يُقتل ويُشرد بها الناس.

من جانبه، اعتبر الفنان التشكيلي فضيل أحمد، الذي زار المعرض وتجول بين اللوحات الفنية، أنه عمل نوعي ناجح جداً، خصوصاً أن تسمية المعرض عبّرت عن رمزية لدى المتلقي والمشاهد، كما أن الأعمال استقطبت جمهوراً كبيراً، سواء كانوا سودانيين أو تشكيليين من جنسيات أخرى، رغم غياب بعض الفنانين مثل الطيب، وأحدث المعرض نقلة في ظل جمود القضايا السودانية بشرق أفريقيا، حيث كانت تقتصر الأنشطة في السابق على الندوات وغيرها من الفعاليات.
وأكد فضيل لـ”دروب” أن المعرض نقل أيضاً عظمة التاريخ السوداني لأن اسم كوش يحمل دلالة تاريخية. وأضاف أن معظم الأعمال، باستثناء لوحات الفنان جلال يوسف، جاءت واقعية وتجريدية وانطباعية، ولم يكن هناك تركيز شديد على الحرب الأخيرة في السودان، بينما كانت رسالة جلال يوسف واضحة وركزت على العمل المدني والثورات، أما بقية الأعمال فقد ركزت في أغلبها على السودان بشكل عام. وأشار إلى أن الفنان الطيب رسم شخصيات انطباعية يمكن أن نطلق عليها اسم “الناجون”.
ورأى فضيل أن التشكيليين السودانيين استطاعوا أن يوصلوا صورة السودان بشكل جمالي جيد، منوهاً إلى أن العالم تشبع بصورة السودان من حيث الجمال والصراع، ومع ذلك اتسمت الأعمال بالتنوع من خلال مشاركة سبعة فنانين ذوي تجارب مختلفة.
وأضاف: “ولحسن الحظ لم ينقلوا صورة السودان بشكلها الدموي، وأرى ذلك شيئاً جيداً من منظوري الشخصي، باعتبار أن الفن لا يجب أن يكون مجرد رد فعل لما يجري، وإنما يقود الناس إلى تجاوز الصراعات أو منع وقوعها”.



