هل تكسر القبضة الأمنية ونقابات التقسيط كرامة الأكاديميين؟

كتبت / تماضر بكرى
منذ متى كانت صروح العلم تُدار بعقلية الرهان على جوع الأساتذة والعاملين، أو تُختزل كرامة عقول الأمة في “قسط خروف” أو “أداة كهربائية” تجود بها نقابات معينة؟
هذا التساؤل الصادم هو العنوان الحقيقي لإضراب الجامعات السودانية الذي تجاوز شهرًا ونصف الشهر، حيث لم يعد حراكًا مطلبيًا عابرًا، بل انتفاضة كرامة ومواجهة هيكلية شاملة تقودها كافة المكونات من أساتذة وتقنيين وموظفين وعمال. هذا الشلل التام يضع السلطة أمام حقيقة لا يمكن إنكارها، وهي أن الجامعات مشلولة، مع اختلاف مستوى الشلل، والمجتمع الأكاديمي يرفض بشدة أن يُدار بعقلية التسويف والمماطلة.
إن نهج القائمين على الأمر، القائم على المماطلة وتوقع تآكل الإضراب زمنيًا، هو سياسة هروب بائسة تزيد الوضع تعقيدًا، وتخلق احتقانًا وتفككًا خطيرًا في الثقة داخل الحرم الجامعي.
واللافت تواطؤ النقابات “التسييرية” والمقاربة الأمنية.
فالأدهى من موقف السلطة هو موقف النقابات الحالية، وهي نقابات هجينة أُعيدت بقرار إرجاع لتكون لجانًا تسييرية مؤقتة، لكنها اغتصبت الدور ومارست العمل الإداري مع تجاهل تام لواجبها النقابي الأساسي. فبدلًا من انتزاع حقوق العاملين، انهمكت في مشاريع تقسيط السلع (بيع خراف، وأدوات كهربائية، ومنظومات طاقة شمسية)، متناسية أن دورها المفترض، والذي تُشرعن له، هو حماية الحقوق وصون كرامة المضربين، لا التحول إلى منصات تجارية ووسيط للمساومة والتهدئة، مستغلة حاجة العاملين وظروفهم لتثبت وجودها.
وأمام هذا التواطؤ النقابي، تلجأ السلطة إلى أدواتها القمعية التقليدية، ليظل السؤال الاستنكاري قائمًا في وجهها:
هل كانت الاعتقالات يومًا حلًا لقضية مطلبية عادلة؟
وهل يملك سلاح منع صرف المرتبات وسياسة التجويع كسر إرادة مجتمع أكاديمي واعٍ؟
إن محاولات تبديد الأزمة عبر الضغط الأمني، أو المراهنة على جوع المضربين، أو التمترس خلف نقابات صنيعة، لن تزيد النار إلا اشتعالًا. واستمرار هذا النهج العقيم يقود التعليم العالي سريعًا نحو انهيار شامل، ويفتح الباب أمام هجرة الكفاءات وضياع جيل كامل من الطلاب.
فالحل لا يكمن في التسويف، بل في مواجهة الأزمة والبحث عن حلول لها بشجاعة، وإقرار الحقوق كاملة دون تجزئة، واحترام القضية، والاعتراف الفعلي بأن الجامعات هي عقل الأمة المدبر، وليست مجرد مربعات إدارية تابعة للسلطة.



