من القاهرة إلى جوبا.. كيف انتهى مسار لجوء الصحفي كنيدي نيمايا؟

(القاهرة) 6 يوليو 2026 / عدي عزام
بعد سبع سنوات قضاها لاجئًا مسجلًا لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر، انتهى مسار الصحفي الجنوب سوداني كنيدي نيمايا بترحيله إلى بلاده، حيث تقول منظمات حقوقية إنه اعتُقل فور وصوله إلى جوبا، قبل أن تنقطع أخباره لاحقًا. وبين الوقائع الموثقة والروايات الحقوقية، تعود إلى الواجهة أسئلة جوهرية بشأن مدى الالتزام بمبدأ عدم الإعادة القسرية، وحدود مسؤولية منظومة الحماية الدولية تجاه اللاجئين.
خرج الأب ولم يعد
بعد أن طبع قبلة أبوية على خدّي ابنتيه، كعادته غادر الصحفي كنيدي نيمايا منزله الكائن في إحدي أحياء القاهرة، صباح التاسع والعشرين من أبريل 2006، متوجهًا إلى مقر عمله، سعيًا وراء لقمة عيش يسند بها أسرته الصغيرة.
لم يكن يدرك أن خروجه في ذلك الصباح سيصبح آخر لقاء يجمعه بأسرته حتى الآن، وأن انتظار ابنتيه عودته مع نهاية اليوم سيتحول إلى انتظار امتد لأشهر، في ظل غياب أي معلومات مؤكدة عن مصيره.
من قصة أسرية الي قضية حقوقية
من مجرد خروج أب إلى عمله، سرعان ما تحول إلى قضية تتجاوز حدود المأساة الأسرية، لتثير نقاشًا قانونيًا وحقوقيًا بشأن حماية اللاجئين، ومدى التزام الدول والمنظمات الدولية بالضمانات التي يكفلها القانون الدولي.
وتعود جذور كنيدي نيمايا إلى جنوب السودان، وله انتماءات سياسية، وقد لجأ إلى مصر قبل سبع سنوات، وسجل لاجئًا لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين طلبًا للحماية الدولية.
وبحسب رواية أسرته لـ”دروب”، بدأت القضية في التاسع والعشرين من أبريل 2026، عندما احتجزته السلطات المصرية بدعوى انتهاء صلاحية إقامته (بيوم واحد فقط). وبعد أكثر من شهرين من الاحتجاز، نُفذ قرار ترحيله إلى جنوب السودان، رغم المناشدات التي أطلقها ناشطون ومنظمات حقوقية، والتي حذرت من أن إعادته إلى بلاده قد تعرض حياته وحريته لخطر جسيم.
ومع تنفيذ قرار الترحيل، تجاوزت القضية نطاق الإجراءات الإدارية لتصبح محل اهتمام منظمات حقوقية وناشطين، الذين أثاروا تساؤلات حول مدى الالتزام بالضمانات التي يكفلها القانون الدولي للاجئين، وما إذا كانت آليات الحماية الدولية قد أدت دورها كما يجب.
أين تقف مسؤولية الحماية الدولية؟
لا تتوقف قضية كنيدي نيمايا عند حدود اختفاء صحفي بعد ترحيله، بل تفتح الباب أمام تساؤلات أوسع بشأن مدى فعالية منظومة الحماية الدولية للاجئين، وحدود مسؤولية الدول والمنظمات الدولية في ضمان احترام الحقوق التي تكفلها الاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها مبدأ عدم الإعادة القسرية.
فمع اقتراب تنفيذ قرار الترحيل، علت مناشدات ناشطين ومنظمات حقوقية دعت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى التدخل لوقف تنفيذ القرار، استناداً إلى أن نيمايا لاجئ مسجل لديها ويحمل بطاقة لجوء سارية، وأن إعادته إلى جنوب السودان قد تعرض حياته وحريته لخطر جسيم، بما قد يشكل مخالفة لمبدأ عدم الإعادة القسرية.
وتنص المادة (33) من اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين على أنه: “لا يجوز لأية دولة متعاقدة أن تطرد لاجئاً أو ترده، بأي صورة من الصور، إلى حدود الأقاليم التي تكون حياته أو حريته مهددتين فيها بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة أو آرائه السياسي.
لكن، ووفقاً لصوت التضامن الجنوب سوداني في أفادته لـ”دروب” نُفذ قرار ترحيل نيمايا إلى جوبا صباح العاشر من يونيو.مبينا أن السلطات الأمنية في جنوب السودان اعتقلته فور وصوله، وأن أفراداً من أسرته وأصدقاءه المقربين تمكنوا من زيارته خلال الأيام الأولى من احتجازه، قبل أن تنقطع أخباره لاحقاً، دون السماح لأي شخص بزيارته، وسط ما وصفه في حديثه بـ”التعتيم الإعلامي الكامل” بشأن وضعه القانوني والصحي. وبحسب بيان صادر عن صوت التضامن الجنوب سوداني المنشور في صفحته الرسمية علي الفيسبوك، لا يزال نيمايا محتجزاً لدى السلطات في جوبا.
إدانات حقوقية
وفي السياق ذاته، أدان مرصد Refugees Rights Watch (RRW)، بحسب ما نقل موقع “واجوما نيوز”، ما وصفه بعمليات الترحيل القسري التي طالت لاجئين وناشطين جنوب سودانيين في عدد من الدول، معرباً عن قلقه إزاء التقارير التي تحدثت عن ترحيل لاجئين من مصر وكينيا إلى جنوب السودان خلال الفترة الأخيرة.
وقال المرصد إن هذه التطورات تثير مخاوف جدية بشأن احتمال انتهاك الالتزامات الدولية الخاصة بحماية اللاجئين وطالبي اللجوء، ولا سيما في ظل المخاطر التي قد يتعرض لها المرحلون بعد إعادتهم إلى بلادهم. وأكد أن إعادة أي طالب لجوء ولا سيما في ظل المخاطر التي قد يتعرض لها المرحلون بعد إعادتهم إلى بلادهم. وأكد أن إعادة أي طالب لجوء إلى دولة قد يواجه فيها الاضطهاد أو الاحتجاز التعسفي أو تهديداً لحريته وسلامته تمثل انتهاكاً صريحاً لمبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يعد أحد الركائز الأساسية في القانون الدولي للاجئين ونظام الحماية الدولية. كما دعا السلطات المعنية إلى الإفراج الفوري عن كنيدي نيمايا وضمان حقوقه الأساسية، وحث الدول المستضيفة للاجئين على الالتزام بتعهداتها الدولية وعدم اتخاذ إجراءات قد تعرض حياة اللاجئين أو سلامتهم للخطر.
الصمت سيد الموقف
وفي مقابل المواقف الحقوقية، التزمت الجهات الرسمية ووسائل الإعلام في جنوب السودان صمتاً حيال قضية كنيدي نيمايا، إذ لم يصدر أي توضيح أو تعليق رسمي، بما في ذلك من الجهات المختصة بشؤون الإعلام والصحفيين، بينما اقتصر التضامن معه على ناشطين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما أثار تساؤلات حول موقف المؤسسات المعنية من القضية.
ولم تفلح محاولات “دروب” في الحصول على تعليق من الجهات المختصة، إذ أفادت الجهات التي تم التواصل معها بأنها غير مخولة بالإدلاء بأي معلومات أو تصريحات بشأن القضية.
وفي المقابل، تداولت معلومات غير مؤكدة تربط نيمايا بـ”جبهة الخلاص”، إلا أنه لم يتسنى لـ”دروب” التحقق بصورة مستقلة من صحة هذه المعلومات، كما لم تصدر الجبهة أي بيان يؤكد أو ينفي صحة ما نُسب إليها حتى تاريخ إعداد هذا التحقيق.
كيف ينظر صحفيون الي القضية
ويرى الكاتب الصحفي أديسون جوزيف لـ”دروب” أن صحة هذه المعلومات، إن ثبتت، لا تنفي حق نيمايا في التضامن، لأن التضامن ــ بحسب تعبيره ــ “موقف إنساني قبل أن يكون موقفاً سياسياً”. وأضاف أن كوادر الحركة الشعبية قبل توقيع اتفاقية نيفاشا كانوا يمارسون نشاطهم السياسي في الخرطوم، وعندما كانوا يتعرضون للاعتقال، كان الوسط الصحفي والحقوقي يتضامن معهم دون النظر إلى انتماءاتهم السياسية، مؤكداً أن الانتماء إلى حركة مسلحة لا يعد في حد ذاته سبباً لإسقاط الحق في التضامن.
وانتقد جوزيف صمت الجهات الرسمية، قائلاً: “إذا كان كنيدي قد ارتكب جريمة، فمن حقه أن يقدم إلى محاكمة عادلة، لا أن يُغيَّب قسرياً في مكان مجهول، مع حجب أي معلومات عن أسرته بشأن مكان وجوده.”
وفي تعليقه على صمت المؤسسات الإعلامية، قال جوزيف إن كنيدي لم يُقبض عليه وهو يحمل السلاح، وإنما أُبعد من مصر، معتبراً أن اعتقاله يثير تساؤلات حقوقية وقانونية حتى وإن اتخذ في ظاهره شكلاً إجرائياً، وختم بالقول: “الصمت يساهم في تغييب المعلومات الأساسية عن المعتقلين، ولعل ذلك من أسوأ نتائج الصمت في قضية كنيدي.”
لا رد
تواصلت “دروب” مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين للحصول على رد بشأن القضية، بما في ذلك الإجراءات التي اتخذتها قبل تنفيذ الترحيل، إلا أنها لم تتلقَّ أي رد حتى موعد النشر.
كما خاطبت الصحيفة جهات رسمية في جنوب السودان للاستفسار عن مكان احتجاز كنيدي نيمايا ووضعه القانوني، غير أن الجهات التي تم التواصل معها أفادت بأنها غير مخولة بالإدلاء بأي تصريحات أو معلومات بشأن القضية.
وبينما لا تزال أسرة كنيدي نيمايا تنتظر خبراً يبدد شهوراً من القلق، تبقى الأسئلة التي أثارتها قضيته دون إجابات واضحة: هل وفرت منظومة الحماية الدولية الضمانات التي تكفلها الاتفاقيات الدولية للاجئين؟ وهل جرى احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية في هذه الحالة؟ وأين تنتهي مسؤولية الدولة، وأين تبدأ مسؤولية المؤسسات الدولية عندما يصبح مصير لاجئ مجهولاً عقب ترحيله؟
وحتى تتضح الإجابات على هذه التساؤلات، تظل قضية كنيدي نيمايا نموذجاً يسلط الضوء على التحديات التي تواجه نظام حماية اللاجئين، ويعيد طرح نقاش أوسع حول مدي فعالية الآليات الدولية في حماية الأشخاص المعرضين لخطر الاضطهاد عند إعادتهم إلى بلدانهم.
إلى حين ستظل قضية كنيدي نيمايا نموذجاً يختبر فعالية منظومة الحماية الدولية، ويعيد طرح التساؤلات بشأن مدى احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية عندما تتقاطع اعتبارات الأمن مع حقوق اللاجئين.



