تقارير

حظر بلا بدائل.. هل يكرر كامل ادريس تجارب الماضي؟

(تقرير) 29 أبريل 2026 – حذر خبراء اقتصاديون من تداعيات سالبة لقرار الحكومة السودانية بحظر استيراد بعض السلع، قائلين إن القيود من شأنها زيادة الطلب على الدولار في السوق الموازية، ما قد يدفع بسعر الصرف إلى الارتفاع مجدداً مقابل الجنيه، الأمر الذي سينعكس بدوره على تكلفة المعيشة.

وكان رئيس الوزراء كامل إدريس، قد أصدر اليومين الماضيين قراراً بحظر استيراد منتجات غذائية واستهلاكية ومواد بناء ومنسوجات ومنتجات جلدية وبلاستيكية، استناداً إلى توصيات لجنة فنية بوزارة الصناعة والتجارة حسب بيان الوزارة.

وأثار قرار حظر عدد من السلع التي وُصفت بـ”الكمالية وغير الضرورية” موجة واسعة من التباين في ردود الفعل بين الأوساط الاقتصادية والشعبية، حيث اعتبر مؤيدو القرار أنه خطوة ضرورية للحد من استنزاف النقد الأجنبي، فيما عبّر تجار ومستوردون عن مخاوفهم من تداعيات القرار على حركة الأسواق.

اللافت إدراج بعض السلع ضمن قائمة الحظر، رغم أنها لا تعتبر من الكماليات بالضرورة كما تعتبر احتياجات يومية لفئات من المواطنين.

تفاقم شح النقد الأجنبي

يرى الخبير الاقتصادي د. هيثم محمد فتحي، أن قرار حظر استيراد عدد من السلع يعكس بوضوح تفاقم شح النقد الأجنبي. محذراً من تداعيات مباشرة قد تتمثل في موجات تضخمية جديدة وارتفاع إضافي في أسعار السلع الأساسية.

وقال هيثم لـ”دروب” إن هذه القيود من شأنها زيادة الطلب على الدولار في السوق الموازية، ما قد يدفع بسعر الصرف إلى الارتفاع مجددًا مقابل الجنيه، الأمر الذي سينعكس بدوره على تكلفة المعيشة، خاصة في قطاعات حيوية مثل الغذاء والدواء.

وأضاف أن تكرار السياسات الاقتصادية السابقة، دون معالجة جذرية للاختلالات الهيكلية، يؤدي إلى ذات النتائج المتمثلة في اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع قيمة العملة الوطنية.

وأشار فتحي إلى أن التحدي الأكبر أمام الحكومة يتمثل في تأمين موارد كافية من النقد الأجنبي لتفادي أزمة أعمق قد تهدد استيراد السلع الضرورية، معتبرًا أن سياسة الحظر تمثل معالجة مؤقتة أو “ترقيعية” لأزمة معقدة، وليست حلًا مستدامًا، خاصة في ظل غياب بدائل محلية جاهزة تلبي احتياجات السوق.

وأوضح أن الاقتصاد السوداني يعاني من إشكاليات هيكلية متراكمة، تشمل ضعف القاعدة الإنتاجية، وهشاشة المؤسسات التنظيمية، وغياب أدوات فعالة للسياسة النقدية، إلى جانب تشوهات السوق الناتجة عن الاحتكار واتساع الاقتصاد الموازي.

وأكد أن أي تدخل حكومي في التجارة، دون معالجة هذه الاختلالات، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من بينها زيادة الضغوط التضخمية وتراجع الثقة بين الدولة والقطاع الخاص.

مطلوبات التعافي الاقتصادي

وفي ما يتعلق بآفاق التعافي، شدد هيثم على أن ذلك يتطلب تحقيق الاستقرار الأمني والاقتصادي، وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار، إلى جانب دعم القطاعات الإنتاجية، وتأمين مدخلات الإنتاج، وإعادة تشغيل المصانع المتوقفة، وتخفيف الأعباء الضريبية على المواد الخام، فضلًا عن تحسين مستويات الأجور بما يتناسب مع تكاليف المعيشة.

ولفت إلى أن الحكومة الحالية ورثت اقتصادًا مثقلًا بتداعيات الحرب والانقسام المؤسسي، ما ضاعف من تعقيدات الإصلاح، وفرض تحديات تتطلب حلولًا شاملة لا تقتصر على السياسات المالية فحسب، بل تمتد إلى إعادة بناء الثقة وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص.

وانتقد فتحي غياب التشاور مع الفاعلين الاقتصاديين قبل صدور القرار، معتبرًا ذلك إخلالًا بمبدأ الشراكة، ومصدر قلق لحركة التجارة والاستيراد التي تمثل شريانًا رئيسيًا للاقتصاد في ظل ضعف الإنتاج المحلي وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

وحذّر من أن الاستمرار في تنفيذ القرار دون معالجات موازية قد يدفع السوق نحو مزيد من الاضطراب، ويعمّق معاناة المواطنين، مستشهدًا بتجارب سابقة مثل حظر استيراد الفول المصري، الذي أدى إلى تنشيط السوق الموازي وخلق ممارسات غير رسمية كبيع الاستثناءات مقابل عمولات، رغم الحاجة الفعلية التي تتجاوز 150 ألف طن سنويًا.

وأضاف أن “التداخل بين سياسات التحرير والتدخل الحكومي، دون رؤية اقتصادية متكاملة، يظل أحد أبرز التحديات التي تعيق استقرار الاقتصاد السوداني وتحدّ من فرص تعافيه”.

قرار مرحلي

من جهته يعتقد الخبير الاقتصادي د.محمد الناير أن قرار مجلس الوزراء مرحلي وليس دائم، للظروف الراهنة التي تمر بها البلاد، والضغوط التي تعاني منها في الطلب على النقد الاجنبي، وأضاف في حديثه لـ “دروب” أن القرار يأتي بغرض توفير الاحتياجات الاساسية والضرورية من وقود وقمح، مقابل التخلي عن الكماليات.

ويضيف “هناك دول عندما تقدم على مثل هذه القرارات تضع في اعتبارها خيارين، الاول حظر السلع او فرض رسوم جمركية عالية جدا لتعيق دخولها الى البلاد وكل هذا لحماية السلع الوطنية”.

ورغم تأييده للقرار يرى الناير بأنه لا يخلو من الاثار السلبية. وقال “من الاثار التي يمكننا القول بأنها سالبة من المؤكد أن هذا القرار يفتح باباً واسعا للتهريب ولكن يمكن للأجهزة المختصة ضبط هذا السلوك”.

وقال إن أغلب السلع المحظورة لا تشكل أكثر من 10% من واردات البلاد.

ومن جهتها أعلنت الغرفة القومية للمستوردين، أمس الثلاثاء، رفضها قرار حكومة الأمر الواقع القاضي بحظر استيراد 45 سلعة، مؤكدة أنها تدرس اللجوء إلى القضاء للطعن في القرار.

وقال رئيس الغرفة، الصادق جلال الدين في تصريح صحفي، إن الحظر سيؤثر على توفر بعض السلع في الأسواق، مشيراً إلى أن القرار صدر قبل اكتمال عمل الفريق الاقتصادي الذي شُكّل في 9 أبريل الجاري لدراسة مقترحات تتعلق بترشيد الواردات وتعزيز الصادرات.

وأوضح جلال الدين أن الغرفة قدمت مذكرة فنية تتضمن بدائل لمعالجة أزمة النقد الأجنبي، مضيفاً أن بعض السلع المشمولة بالحظر تحقق إيرادات جمركية وضريبية، وأن وقف استيرادها قد ينعكس على الإيرادات العامة.

وحذرت الغرفة من أن تقليص الواردات قد يؤدي إلى تراجع المنافسة وارتفاع الأسعار، إضافة إلى زيادة التهريب والاحتكار، خاصة مع إدراج نظام الحصص في بعض السلع مثل السيراميك والرخام والبورسلين.

وتشير بيانات بنك السودان المركزي إلى أن العجز التجاري بلغ 3.8 مليار دولار في عام 2025، بعد أن سجلت الصادرات 2.64 مليار دولار مقابل واردات بلغت 6.49 مليار دولار. كما ارتفع سعر الدولار في السوق الموازي إلى نحو 4,250 جنيهاً، وفق متعاملين.

وكان مجلس الوزراء قد أصدر في نهاية عام 2025 إجراءات تهدف إلى ضبط عمليات الاستيراد ومنع دخول السلع عبر قنوات غير رسمية، إلا أن الغرفة ترى أن القيود الحالية قد تؤثر على التزامات السودان المتعلقة بالتجارة الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى