
(تقرير) – 22 مايو 2026 – شهد المسرح الوطني اليوغندي بالعاصمة كمبالا، الأسبوع الماضي، عرضًا مسرحيًا سودانيًا شارك فيه نحو 10 ممثلين، من انتاج منظمة وعي، حيث احتشد المسرح بالجمهور الذين توافدوا قبل وقت مبكر من العرض.
وأدت الحرب التي دخلت عامها الثالث في السودان، إلى تدمير المسرح القومي السوداني وتراجع الانتاج المسرحي والدرامي بسبب هجرة أو نزوح الممثلين داخليا، حيث يعيشون أوضاع قاسية في مخيمات النزوح بالمدن التي تشهد استقرارًا نسبيا شمال وشرق البلاد.
لم تجسد مسرحية “سجن الأحرار” التي عُرضت الأسبوع الماضي على خشبة المسرح الوطني الأوغندي عرضًا فنيًا فحسب؛ بل تناولت المشكلة السودانية من جذورها، حيث ناقشت ما تعرف بـ”الدائرة الشريرة” التي تدور بداخلها أحداث الانقلابات العسكرية والانتخابات والانتفاضات الشعبية والحروب منذ الاستقلال وحتى حرب 15 أبريل 2023.
كما تقوم المسرحية على توصيف الدولة كسجن كبير تشكلت في فترة ما بعد الاستعمار، كما حاول النص تتبع عمليات العنف والاستبداد والظلم وتطور الأزمة وصولا إلى الحرب الحالية، كذلك تتبع مسار موقف المساجين داخل هذا السجن، فجاءت التسمية “سجن الأحرار” تعبيرا عن حرية الشعب ورفضه للظلم.
سجن كبير
يقول مؤلف المسرحية، عكرمة عباس، في مقابلة مع “دروب” إن الفكرة نوقشت لأول مرة في ذكرى ثورة ديسمبر السابعة، وبدأ الانتاج مباشرة إلى أن رأت النور بعد عام ونيف من التخطيط والعمل المستمر.

وأضاف “كان يوم مهم بالنسبة لي حيث مع حلول الذكرى الثانية لحرب 15 أبريل، وكنت أتساءل متى ستتوقف الحرب حتى نستأنف أنشطة ثورتنا. وكيف نستطيع أن نوصف حالة الحرب، ليست الحرب الحالية وحدها فكانت المقاربة عبر السجن أقرب إلى توصيف الأحداث في تجربتنا السودانية ما بعد الاستعمارية”.
الغرض من المسرحية ربط الذاكرة من خلال الأزمة الكلية للسودانيين بتصوير الواقع الأشبه بسجن كبير شكله المستعمر وسلكه السودانيون رغم المحاولات المستمرة لنيل الحرية من الأنظمة المتعاقبة، كما أنها يمكن أن تكون تعبير عن احتجاج وتباكي جماعي تأكيدا على الوجع والمصير المشترك، وأن الاختلاف ليس مشكلة وانما البنية التي تشكلت بعدم قبول الآخر، وفقا لعكرمة.
وذكر أن الفكرة واجهت تحديات كبيرة حيث أنها لم تر النور إلا بعد أكثر من العام، من بينها تحديات تقنية وادارية ومالية وغياب بعض فريق العمل بسبب ظروف السفر، حاولنا تجاوزها بجلب أشخاص جدد والبدء من الصفر، فضلا عن أن الوصول إلى فريق العمل والاقتناع بالفكرة التي وصفها بالجريئة والتجمع في مكان واحد، وفكرة العرض وتوقيتها في ظل انقسامات حادة في الفضاء العام والفهم الخاطئ للعمل نفسه والتصنيف والتنميط، إلى جانب التوثيق للمعلومات من مصادر دقيقة وموثوقة بعيدا عن الوقوع في أخطاء ربما تنسف العمل، وفق تعبيره.
قضايا جذرية
واستطاعت الممثلة الصاعدة بقوة ريان نبيل، أن تخطف الأضواء في أول تجربة لها، حيث جسدت دور شخصية “مندي بت السلطان عجبنا”، وهي رمز نضالي سوداني عظيم جداً لكن للأسف بالرغم من تاريخها البطولي “ما كل السودانيين عارفينها أو واعين بإرثها عشان كدا النص كان حريص شديد على إعادة تسليط الضوء وتلميع الشخصيات التاريخية العظيمة الزي دي اللي ما لقت حظها من الإنصاف والتوثيق في الذاكرة القريبة للناس، بحسب تعبيرها.
وقالت ريان، لـ”دروب” أن المسرحية ركزت في الوقت نفسه على خط المقاومة ونضال الشعب السوداني “منذ رفضنا للاستعمار مروراً بكل الهبات والثورات وصولا إلى ثورة ديسمبر المجيدة، لذلك أخذت الفكرة وقتًا وجهدًا والكثير من التعب لأننا كنا نريد تحريك الذاكرة الجمعية للشعب السوداني ونذكر الناس بكل المحطات والحروب والمشاكل التي مرت عبر تاريخنا حتى نفهم الحاضر ونبني المستقبل”.
وشددت ريان، على أن الرسالة الأساسية من خلال أدائها لشخصية “مندي” هي “أننا كنساء سودانيات ما مجرد وجوه عابرة في المشهد، بل نحن من زمان ومن وقت الاستعمار وقبله عندنا إرث وتاريخ نضالي ضخم وممتد، مندي ما كان مجرد دور بمثله، بل كانت صوت بيقيف في وش الظلم ورسالة واضحة بتقول إنو المرأة السودانية كانت وما زالت في خط المواجهة الأول شريكة أصيلة في صناعة التاريخ والمقاومة ووعيها دا هو الامتداد الطبيعي لوعينا ونضالنا اليوم”.
دور الفن
برغم انشغالها بمشاريعها الخاصة، أصرت المطربة آمنة محجوب، على المشاركة في “سجن الأحرار” بتقديم عدد من الأغنيات الوطنية والثورية إلى جانب المطرب محمد خير.

وقالت لـ”دروب” إن الفن يلعب دورًا كبيرًا في تغيير السلوك، “وأنا بالنسبة لي الحرب هي سلوكيات وممارسات سالبة قديمة متجددة أدت الى خلافات، وتطورت حتى وصلت بنا للحرب وأولاها العنصرية والجهوية وكل أنواع التمييز الكانت ومازالت في مجتمعاتنا”.
وأكدت آمنة وهي عضو بكورال جامعة الأحفاد التي تخرجت منها، أن المسرح هو لغة الناس، حيث يستطيع ايصال رسائل قوية تدخل القلوب، وأن الفن في السودان، كان داعية للسلام والتسامح في أوقات كثيرة،إذ قدم الفنانين رسائل إيجابية تمكنت من جمع الناس وجعلتهم يفكروا في السلام والوحدة بدلاً من الحرب والدمار.
وأكدت أن “سجن الأحرار” تعكس واقعنا وتناقش قضايانا، وهذا يمنحها قوة التأثير. الناس ستجد نفسها في الأحداث، وستشعر بالتعاطف والتضامن، دورنا نحن كفنانين في المسرحية ساهم في نقل الناس بين اللوحات بحب ، رغمًا عن تباعد الفترات المختلفة التي تعكسها كل لوحة منذ العام 1952 وحتى الآن، أكثر من نصف قرن لكن المشاهد يشعر أنه موجود في كل هذه الحقب، وأنه يمكن صنع القرار.



