التفاهمات الاقتصادية ممكنة.. ولكن!

بقلم: حسن مستشار
في خضم الحرب الدائرة اليوم في السودان، اكتشفنا أن الصراع ليس مجرد نزاع على السلطة، بل هو مرآة تفضح خللاً عميقاً في ترتيب الأولويات لدى أطراف الحرب. فبينما تتصاعد المعارك وتتفاقم المأساة الإنسانية بشكل لافت، تظهر قدرة هذه الأطراف على التفاهم أو “ضبط النفس” العسكري عندما يتعلق الأمر بمصالح استراتيجية محددة، في مقابل عجز تام أو تجاهل لقضايا تمس حياة المواطنين اليومية بشكل مباشر.
النفط والمطارات.. تفاهمات تحت الطاولة؟
الشواهد على هذه الانتقائية واضحة جداً؛ وأبرزها التعامل مع الموارد الاقتصادية، وتحديداً حقول النفط في (هجليج). فقد أشارت تقارير دولية إلى وجود ترتيبات وتفاهمات غير مباشرة هدفت لتجنب تدمير هذه المنشآت الحيوية، نظراً لأهميتها الاقتصادية لكل من السودان وجنوب السودان. وهذا يوضح أن أطراف الحرب تركز بشكل أساسي على “الموارد”؛ فتصعد وقتما تشاء، وتوقف التصعيد متى ما سارت المصالح بين الطرفين بشكل جيد.
لكن المؤلم هو أن هذه القدرة على “ضبط النفس” لا تمتد أبداً لتشمل مناحي حياة السودانيين. فقد كشف خبر أوردته صحيفة (دارفور 24) بتاريخ 28 مارس الجاري، عن وجود تفاهمات غير معلنة بين أطراف الصراع تقضي بعدم استهداف مطاري الخرطوم ونيالا، باعتبارهما موقعين حيويين في مسار العمليات العسكرية. هذه المعلومات تعزز فكرة أساسية: أن الأطراف قادرة تماماً على تحديد “خطوط حمراء” والالتزام بها عندما تلتقي مصالحها.
وهنا تبرز المفارقة المؤلمة: إذا كان بالإمكان تحييد المطارات أو حماية البنية التحتية الاستراتيجية بهذا الانضباط، فلماذا لا يتم توسيع هذه التفاهمات لتشمل حماية المدنيين وضمان الحد الأدنى من مقومات الحياة؟
التعليم.. الملف “الرهينة”
ولعل الملف الأكثر إيلاماً وتجسيداً لهذا الواقع هو ملف التعليم، وتحديداً أزمة طلاب الشهادة الثانوية. التقارير تشير إلى واقع شديد التعقيد، حيث أصبح الطلاب عالقين بين سلطتين متنازعتين، لكل منهما ترتيباتها الخاصة لإجراء الامتحانات. وقد حذرت جهات تعليمية من أن تنظيم امتحانات منفصلة في مناطق مختلفة من البلاد قد يؤدي إلى ترسيخ الانقسام بدلاً من الحفاظ على وحدة النظام التعليمي.
وفي الوقت نفسه، يواجه آلاف الطلاب صعوبات حقيقية في الوصول إلى مراكز الامتحانات بسبب الأوضاع الأمنية والقيود المفروضة على الحركة. هذه الأزمة لا يمكن النظر إليها باعتبارها مشكلة إدارية مؤقتة، بل هي مؤشر خطير على انهيار أحد أهم أعمدة الدولة. فالتعليم الذي يمثل استثماراً في المستقبل أصبح “رهينة” للصراع السياسي والعسكري، في ظل خروج ملايين الأطفال من العملية التعليمية بعد أن أغلقت المدارس أو تحولت لمراكز إيواء أو ثكنات.
غياب الإرادة لا القدرة
في ضوء هذه المعطيات، يصبح من المشروع توجيه إدانة واضحة لأطراف الحرب، ليس فقط بسبب استمرار القتال، بل بسبب “طريقة إدارتها” له. فالمشكلة لم تعد في غياب القدرة على التفاهم، بل في غياب الإرادة لتوجيه هذه القدرة نحو ما يخدم الشعب. إذ كيف يمكن تفسير التوصل إلى ترتيبات لحماية النفط أو المطارات، في حين يعجز الجميع عن ضمان حق الطلاب في الجلوس لامتحاناتهم، أو تأمين المستشفيات، أو فتح ممرات آمنة للمدنيين؟
قد يجادل البعض بأن تعقيدات الحرب وتشابك المصالح تجعل من الصعب تحقيق توافقات شاملة، وهذا صحيح إلى حد ما، لكنه لا يبرر تجاهل القضايا الإنسانية الأساسية. فحتى في أكثر النزاعات تعقيداً، هناك دائماً مساحة لاتخاذ قرارات تقلل من معاناة المدنيين إذا توفرت الإرادة السياسية.
ما يحدث في السودان اليوم يعكس أزمة أعمق من مجرد صراع مسلح؛ إنها أزمة في مفهوم “المسؤولية” نفسه. فحين تتقدم الحسابات الضيقة على حساب حياة الناس ومستقبلهم، تتحول الحرب من وسيلة لتحقيق أهداف سياسية إلى عامل هدم شامل للدولة والشعب معاً.



