“كدرمة”.. حين يغتال جهل المسؤولين تاريخ الأجداد


وخزة استهلالية
يقولون: من لا تاريخ له لا مستقبل له، ويبدو أن شلة الكراسي في الولاية الشمالية ومحلية دلقو قرروا أن يبيعوا مستقبلنا في سوق المزاد العلني طمعاً في إيرادات زائلة، ضاربين بعرض الحائط إرثاً يمتد لـ200 ألف عام. هل نحن أمام مسؤولين سودانيين حقاً أم أمام تجار آثار يرتدون زي الوظيفة العمومية؟
وخزة سامة
إلى والي الشمالية وإلى المدير التنفيذي لمحلية دلقو: هل تجهلان تاريخ المنطقة التي تحكمانها؟ كدرمة ليست مجرد مساحة جغرافية بطول 5.5 كم، إنها سجل الأمة المسطور على الأرض، من العصر الحجري القديم مروراً بمملكة كرمة وصولاً إلى العصر المروي والمسيحي والإسلامي. هذه الأرض كانت ميناءً نهرياً عالمياً يختصر منحنى النيل الصعب، فبأي حق وبأي جرأة تفكرون في طمسها؟
وخزة قانونية
اسمعا وعِيا، فحجتكم الواهية تحتضر أمام الحقائق. البروفيسور العلامة علي عثمان محمد صالح، قامة الآثار الشامخة، يؤكد بالدليل القاطع أن كدرمة منطقة أثرية موثقة دولياً، ومحرّمة قانوناً على أي تغوّل سكني أو إنشائي دون إذن هيئة الآثار. أي مشروع توطين هنا ليس مجرد قرار إداري فاشل، بل هو جريمة مكتملة الأركان واعتداء صارخ على تاريخ ومستوطَنات العصر الحجري التي تُدرّس اليوم في جامعة هارفارد. فهل أنتم أعلم من العلم أم أنكم فوق القانون؟
وخزة ملوثة
ويا للعجب، بينما تضيقون الخناق على التاريخ، تفتحون الأبواب لشركات الكرتة ومخلّفات التعدين. إن وجود هذه السموم في منطقتنا نقطة سوداء في جبينكم. فكيف تستبدلون عبق التاريخ برائحة الزئبق والسيانيد؟ هل هانت عليكم دماء أهل المنطقة وصحة أرضهم مقابل حفنة من الكرتة والمخالفات البيئية؟ شركة مليئة بالمخالفات هي وصمة عار في تاريخكم الإداري.
وخزة نازفة
لقد جفّت الأقلام من هول ما نرى. في الثمانينات، عندما كان هناك من يعلم قدسية هذا التاريخ، تم إيقاف مشروع زراعي كامل للسكان الملاك حمايةً لهذه الآثار. فمن أين جئتم أنتم، ومن أي مدرسة تخرجتم، لتستبيحوا ما استعصى على من قبلكم؟ إن تدمير سياق أثري يخضع لبحوث الحمض النووي والأصول السكانية هو إبادة ثقافية لا تُعوّض بكنوز الأرض.
وخزة جارحة
بينما كان العالم الجليل شارلي بانيه يقضي عقوداً ينقّب ويوثق عظمة كوكا وكدرمة وصاي، تأتون أنتم بقرار ارتجالي لتسوية التاريخ بالأرض. هل أصبحتم معاول هدم بدلاً من حراس حضارة؟ أم أن التعدين العشوائي الذي نهب الأرض لم يُشبع نهمكم، فقررتم التهام ما تبقى من كرامة أثرية؟
وخزة عميقة
بدأنا نشك، يقيناً، في نوبيتكم وفي انتمائكم لهذا النيل وهذه الأرض. هل تدركون حجم الجريمة التي تقترفونها في حق الإرث الإنساني؟ إن المنطقة التي استهدفتموها بقرارات التوطين العشوائي تضم 29 موقعاً أثرياً موثقاً، منها 10 مواقع في كدرمة، و16 موقعاً في كدين جنوباً، و3 مواقع في كدا موسى. فبأي منطق تريدون دفن 29 فصلاً من تاريخنا تحت كتل الإسمنت؟ هل رخصت لديكم عظمة الأجداد أمام حفنة من الجنيهات والإيرادات المالية؟ ما لكم، كيف تحكمون؟
وخزة قوية
هذا نداء عاجل وصرخة مدوية إلى رئيس مجلس السيادة: نعم، السودان للجميع، ولكن هذا التاريخ هو هويتنا الوطنية. إذا كانت حكومتك في الولاية الشمالية ومحلية دلقو غير حريصة على تاريخ السودان، فاقضوا علينا جميعاً واطمسوا وجودنا، لأننا لن نقف متفرجين وأنتم تغتالون كدرمة. نناشدكم التدخل الفوري لوقف سياسات الوالي الارتجالية وتغوّل المدير التنفيذي.
وخزة أخيرة
التاريخ لا يرحم، والذاكرة النوبية لا تنسى. إن كدرمة ومناطقنا الأثرية ليست للبيع ولا للإيجار. غداً ترحلون عن كراسيكم، ويبقى التاريخ شاهداً: إما حماةً للديار أو خائنين لتراب الأجداد. فاختاروا لأنفسكم مقعداً في مزبلة التاريخ أو في سجل الشرف. وإن كنا نرى معول الهدم في أيديكم يسبق عقولكم، فقد قررتم أن تبيعوا مستقبلنا.



