“تصنيف الإسلاميين”.. سيناريوهات معقدة ومواجهات محتملة

(تقرير) 17 مارس 2026 – مع دخول القرار الأميركي بتصنيف الحركة الإسلامية السودانية جماعة إرهابية حيز التنفيذ في السادس عشر من مارس 2026، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا بعد القرار؟ وما تأثيره على علاقة المؤسسة العسكرية بالحركة الإسلامية، والخطوات التي قد تتخذها القيادة العسكرية تجاه الجماعات الإسلامية خلال المرحلة المقبلة.
وفي خضم التساؤلات حول طبيعة العلاقة بين القيادة العسكرية والحركة الإسلامية، كشف تسريب منسوب لنائب الأمين العام للحركة الإسلامية بالسودان، محمد عثمان كبر، عن وجود صلة بين قائد الجيش عبد الفتاح البرهان والحركة الإسلامية التي لعبت دوراً في وصول البرهان إلى رئاسة المجلس العسكري عقب رفض الشارع للفريق عوض بن عوف.
ويرى محللون وسياسيون تحدثوا لـ”دروب” أن مثل هذه التسريبات قد تضع البرهان في موقف حرج في ظل قرار التصنيف الأميركي، إذا ما جرى التعامل معه باعتباره مرتبطاً بالحركة.
ويأتي هذا التسريب في توقيت يصفه مراقبون بالحساس، حيث فسر على أنه محاولة لتوريط قائد الجيش أو تقييد خياراته، بما يضمن عدم اتخاذ إجراءات حاسمة ضد الحركة الإسلامية أو المجموعات المرتبطة بها.
واجهات مختلفة
وتوقع القيادي بتنسيقية “صمود” جعفر عثمان أن تسعى الحركة الإسلامية إلى تغيير أساليب ظهورها في المرحلة المقبلة، عبر محاولة إعادة تقديم نفسها بواجهات وأسماء مختلفة.
وقال جعفر، لـ”دروب”، إن الحركة قد تلجأ إلى التخفي خلف لافتات وكيانات جديدة وبوجوه تعمل من خلف الستار، غير أنه استبعد أن ينجح هذا الأسلوب في تضليل الرأي العام، مؤكداً أن مثل هذا التمويه “لن ينطلي على أحد”.
وحثّ جعفر قيادة القوات المسلحة على تغليب المصلحة الوطنية وإعلاء اعتبارات الأمن القومي، من خلال إبعاد قادة الحركة الإسلامية وعناصرها عن مراكز اتخاذ القرار داخل مؤسسات السلطة.
وأضاف أن على الجيش، بدلاً من حماية “مجموعة صغيرة متهمة بارتكاب العديد من الجرائم وما زالت تؤثر في القرار وأجهزة الدولة”، أن ينحاز للمصلحة العامة.
ووصف جعفر القرار بأنه “مهم وإيجابي”، معتبراً أنه قد يسهم بصورة فاعلة في الدفع نحو إنهاء الحرب التي تدخل عامها الرابع، كما دعا السودانيين إلى استثمار هذا التصنيف باعتباره خطوة يمكن أن تساعد في إزالة العقبات أمام التوصل إلى حل للأزمة الراهنة.
ارتباك السلطة
من جهته، قال الأمين العام المكلف لحزب المؤتمر الشعبي، د. محمد بدر الدين، إن قرار الولايات المتحدة بتصنيف الحركة الإسلامية السودانية كجماعة إرهابية أحدث ارتباكاً واضحاً داخل دوائر السلطة والقيادة في السودان.
وأوضح بدر الدين، في تصريح لـ”دروب”، أن ردود الفعل الأولية من قبل قيادة السلطة اتسمت بمحاولة نفي أي صلة بالحركة الإسلامية، غير أن صدور قرار التصنيف دفعها لاحقاً إلى تبني خطاب أكثر ميلاً للنأي عنها سياسياً أو إظهار قدر من المواجهة معها.
وأضاف أنه من المستبعد اتخاذ إجراءات حقيقية ضد مجموعة “البراء بن مالك”، مرجحاً في الوقت ذاته احتمال اللجوء إلى خطوات شكلية، مثل إعلان حلها أو اتخاذ تدابير محدودة لإبعاد شبهة ارتباطها بالحركة، دون أن تمس جوهر العلاقة القائمة بين المؤسسة العسكرية والتيارات الإسلامية.
وأشار بدر الدين إلى أنه لا يتوقع حدوث مواجهة مباشرة بين قادة الجيش والتيارات الإسلامية، لافتاً إلى أن هذه التيارات ما تزال تحتفظ بنفوذ وتأثير داخل بعض مفاصل المؤسسة العسكرية.
ورجح إمكانية بروز تحركات من قيادات عسكرية متوسطة أو من الصفين الثالث والرابع لإحداث تغيير داخلي أو إعادة ترتيب المواقف، بما يتماشى مع الضغوط والمتطلبات التي قد يفرضها قرار التصنيف.
وختم بدر الدين تصريحه بالتأكيد على أن الأيام القليلة المقبلة قد تحمل تطورات أو مفاجآت في هذا الصدد، في ظل حالة السيولة السياسية التي تشهدها البلاد.
تداعيات سياسية
ويرى المفكر والباحث السوداني د. النور حمد، أن تصنيف الحركة الإسلامية السودانية كجماعة إرهابية ستكون له تداعيات سياسية واقتصادية واضحة، مشيراً إلى أن مؤشرات هذه التأثيرات بدأت بالفعل في الظهور.
وأوضح حمد، في تصريح لـ”دروب”، أن من بين هذه المؤشرات منع وزير المالية جبريل إبراهيم من المشاركة في اجتماع وزراء المالية العرب، إلى جانب الترحيب السعودي بالقرار، وما قد يترتب عليه من تضييق على حركة أموال الجماعات المرتبطة بالحركة الإسلامية وتجميد حساباتها في الخارج.
وأضاف أن هذه التطورات لن تدفع التيار الإسلامي إلى الاستسلام بسهولة، معتبراً أن ما يجري يمثل بالنسبة لهم “معركة أخيرة” للدفاع عن نفوذهم السياسي والعسكري داخل الدولة، وهو ما قد يدفعهم إلى التمسك بمواقعهم وعدم التراجع بسهولة.
ولفت حمد إلى احتمال أن تنتهي الحرب التي بدأت بإيران على الأرض السودانية، في ظل ما وصفه بوجود روابط بين بعض الجماعات الإسلامية في السودان والنظام الإيراني.
وفي ما يتعلق بعلاقة القيادة العسكرية بالحركة الإسلامية، رأى حمد أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان قد يواجه صعوبة في اتخاذ موقف حاسم تجاه الإسلاميين، بسبب نفوذهم الواسع داخل المؤسسة العسكرية. وأضاف أن هذا النفوذ يجعل أي مواجهة مباشرة محفوفة بالمخاطر، سواء على مستوى استقرار القيادة أو توازن القوى داخل الجيش.
واستشهد حمد في هذا السياق بتصريحات سابقة للداعية عبد الحي يوسف تحدث فيها عن وجود الإسلاميين داخل مكاتب القيادة، معتبراً أن مثل هذه الإشارات تعكس حجم حضورهم داخل مؤسسات الدولة.
سيناريوهات معقدة
ولم يستبعد حمد سيناريوهات سياسية معقدة في المرحلة المقبلة، من بينها احتمال أن يدعم المجتمع الدولي أو الولايات المتحدة ترتيبات انتقالية جديدة قد تشمل قوى سياسية وعسكرية مختلفة، بهدف بسط السيطرة على كامل البلاد وتشكيل حكومة انتقالية تدير مرحلة ما بعد الحرب.
من جهته، قال المحلل السياسي والباحث في شؤون شرق أفريقيا فؤاد عثمان إن الارتباك الذي أحاط بأنشطة مجموعة “البراء” وإلغاء مؤتمرها الصحفي يعكس بوضوح عمق أزمة تعدد الجيوش في السودان، مشيراً إلى أن هذا الواقع يعكس أيضاً ارتهان قرار القوات المسلحة لتأثيرات عناصر من النظام البائد.
مواجهة محتملة
وأوضح عثمان، في تصريح لـ”دروب”، أن هذه التطورات تضع البلاد أمام مواجهة محتملة بين طموحات التشكيلات المؤدلجة ومقتضيات السيادة الوطنية والمهنية العسكرية، لافتاً إلى أن أي مسعى من الجيش للتنصل من هذه المجموعات يجب ألا يُفهم كمناورة تكتيكية لامتصاص الضغوط، بل ينبغي أن يمثل خطوة جادة نحو إنهاء وجود الميليشيات الموازية.
وأضاف أن أي مقاومة قد تبديها التيارات الإسلامية لقرارات التصنيف لن تؤدي إلا إلى تعميق عزلتها السياسية، وستعزز الانطباع بأن معركتها هي معركة تمكين تنظيمي وليست معركة وطن.
ودعا عثمان القوى المدنية إلى توحيد صفوفها والعمل على قطع الطريق أمام تحويل السودان إلى ساحة صراع بين أمراء الحرب، مؤكداً أن المخرج الحقيقي يكمن في التمسك بحل سياسي شامل يفضي إلى قيام جيش وطني مهني موحد يبتعد عن العمل السياسي ويخضع لسلطة مدنية ديمقراطية.



