تقارير

“هجليج”.. حين تعلو حسابات النفط على دماء الانسان

(تقرير) 13 ديسمبر 2025 – بين منطق الحرب ومقتضيات الاقتصاد، تتكشف واحدة من أكثر مفارقات الصراع السوداني قسوة ووضوحا، موارد تُحصن بعناية، وأرواح تُترك لمصيرها المفتوح على العنف. فلم تعد المعارك تُدار فقط على خطوط النار، بل على خرائط المصالح، حيث يتقدم النفط بوصفه عاملاً حاسماً في إعادة ترتيب الأولويات، حتى وإن كان ذلك على حساب الكلفة الإنسانية للحرب.

في هذا السياق، عادت مدينة هجليج إلى واجهة المشهد، لا باعتبارها مجرد ساحة اشتباك عسكري، بل كملف استراتيجي تتقاطع عنده حسابات الداخل والإقليم.

وهنا يتحول النفط من مورد اقتصادي إلى أداة ضغط سياسي، ومن عنصر دعم للدولة إلى معيار يكشف طبيعة الصراع وحدود ما هو قابل للتفاوض، وما يترك خارج دائرة الاهتمام. ومن هجليج، تتبدى الأسئلة الأكثر إلحاحا لمن تدار هذه الحرب؟ وما الذي يُحمى فعلا حين تُتخذ القرارات المصيرية؟

وكان الجيش السوداني قد سحب قواته من مدينة هجليج بدعوى حماية منشآت النفط وضمان استمرار تدفقه، وهو إعلان اعتبره كثيرون استفزازياً أكثر من كونه تبريراً عسكرياً. إذ رأى الشارع السوداني أن القدرة على التفاهم مع قوات الدعم السريع لحماية الموارد كان من الأولى أن تُوظَّف لوقف الحرب وحماية المواطنين، لا لتأمين النفط وحده.

واعتبر محللون وقادة سياسيون أن ما أُعلن عنه كاتفاق ثلاثي لحماية المنشآت النفطية يمثل إقراراً صريحاً بأن الحرب لا تُخاض من أجل المواطن ومصالحه، بل من أجل استخدام موارده لإطالة أمد معاناته.

في المقابل، يرى آخرون أن ثمة فارقاً بين الموافقة على ترتيبات لحماية الموارد وبين إيقاف الحرب، مشيرين إلى أن موقف الحكومة الرافض لوقف القتال – بحسب هذه القراءة – يستند إلى رغبتها في سلام لا يعيد البلاد إلى مربع الحروب مجدداً.

صدمة

رأى الدكتور محمد بدر الدين، الأمين العام المكلّف لحزب المؤتمر الشعبي، أن الاتفاق الثلاثي بين حكومة جنوب السودان وبورتسودان وقوات الدعم السريع شكّل صدمة واسعة للمراقبين، إذ كشف – بصورة غير مسبوقة – أن طرفي القتال أبديا حرصاً أكبر على سلامة المنشآت النفطية من حرصهما على حياة المواطنين واستقرارهم.

وأضاف لـ”دروب” أن الطرفين اتفقا سريعاً على حماية الموارد البترولية، في حين جرى التغافل عن حماية الإنسان السوداني، الذي يُفترض أن تُسخّر هذه الموارد أصلاً من أجل رفاهيته.

وتابع “كنا نأمل أن تتجه الجهود نحو وقف نزيف الدم، لكننا فوجئنا ببيان حكومي برّر الانسحاب من هجليج بحماية منشآت النفط، بينما كان الأولى أن تظهر الأطراف التزامها بحماية الأرواح قبل أي شيء آخر.”

وأكد بدر الدين أن هذه التطورات، بما في ذلك الانسحاب من هجليج، أسقطت ما وصفه بـ”فرية حرب الكرامة”، معتبراً أنها ليست حرب مبادئ أو قضايا وطنية، بل صراع مصالح لا يمكن توصيفه بغير ذلك.

تشابكات المصالح

من جهة أخرى رأى وزير الخارجية السابق الدكتور علي يوسف، أن ما جرى بشأن حماية حقل هجليج لا يمكن اعتباره اتفاقاً رسمياً تم عبر مفاوضات مباشرة، بقدر ما هو تفاهم فرضته تشابكات المصالح بين الأطراف الثلاثة. ويؤكد أن العامل الحاسم في هذا التفاهم يتمثل في أهمية هجليج بوصفها المنفذ الوحيد لعبور نفط جنوب السودان، ما جعل حمايتها أولوية مشتركة لا تقبل المغامرة.

وأوضح د. علي يوسف أن هذا التفاهم نشأ في بدايات الأزمة، ثم جرى تجديده لاحقاً، بما يحقق مصالح كل من السودان وجنوب السودان. غير أنه يشير إلى أن الدعم السريع خرجت بمكاسب إضافية، في مقدمتها نيل قدر من القبول والاعتراف من جانب دولة جنوب السودان، التي تربطها بها علاقات وثيقة، تشمل – وفق تعبيره – دعماً بالسلاح والمال.

وفي ما يتعلق برفض الحكومة السودانية لمقترحات الهدنة، يوضح الوزير السابق أن القرار جاء نتيجة حسابات معقّدة لدى القيادة السودانية، التي لم ترَ توافقاً حقيقياً يضمن جدوى الهدنة على الأرض. وأضاف أن إعلان الدعم السريع هدنة من جانب واحد لا يعدو كونه خطوة دعائية، تستهدف كسب الرأي العام الدولي، لا سيما في أعقاب الفظائع التي شهدتها مدينة الفاشر.

شريان الطاقة

وفي السياق أوضح الخبير العسكري والاستراتيجي الدكتور الفاتح مصطفى محجوب أن هجليج تُعدّ شريان الطاقة الحيوي لدولة جنوب السودان، إذ تضم جميع ماكينات ضخ النفط القادم من حقول ولاية الوحدة، وتشكل نقطة التجميع الرئيسية للخام الجنوبي قبل نقله عبر خط الأنابيب إلى ميناء بورتسودان.

وأكد لـ”دروب” أن هذه الأهمية الاستثنائية هي التي دفعت رئيس جنوب السودان، سلفاكير ميارديت، إلى طرح مبادرة مباشرة تهدف إلى تحييد منشآت النفط وحمايتها من أي دمار محتمل نتيجة العمليات العسكرية.

وقال محجوب إن المبادرة وجدت قبولاً لدى الحكومة السودانية وقيادة قوات الدعم السريع، على حد سواء، وتمخضت عن تفاهم يقضي بوضع هجليج تحت حماية قوة محايدة، ممثلة في جيش جنوب السودان، تفادياً لتعطيل تدفقات النفط أو تعريض البنية التحتية الاستراتيجية للبلدين لمخاطر جسيمة.

وفي ما يتصل بسردية رفض الحكومة السودانية لوقف الحرب، ينفي الخبير العسكري ما يروَّج في هذا الصدد، مشيراً إلى أن الحكومة لم ترفض مبدأ وقف القتال في أي مرحلة. مشيراً إلى أنها وافقت مبكراً، منذ اتفاق جدة بعد أسبوعين فقط من اندلاع الحرب، على وقف العمليات العسكرية، شريطة خروج قوات الدعم السريع من الأعيان المدنية ومنازل المواطنين.

وحذّر محجوب من أن أي وقف لإطلاق النار لا يتعامل مع جذور الأزمة سيظل وقفاً هشّاً وقابلاً للانهيار في أي لحظة. فجوهر الصراع، بحسب تقديره، يتمثل في استمرار وجود قوات الدعم السريع خارج منظومة الجيش، وتعدّد الجيوش والمليشيات، ما يجعل احتمالات تجدد القتال قائمة حتى في حال التوصل إلى تهدئة مؤقتة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى