تقارير

راتب لا يكفي ليومين.. موظفون سودانيون يكافحون للبقاء وسط أزمة معيشية متصاعدة

(تقرير) 24 يناير 2026 – بعد أكثر من ألف يوم من الحرب المستمرة في السودان، تجلت الأزمة الاقتصادية في صورتها الأكثر قسوة؛ إذ يواصل موظفون حكوميون العمل في قطاعات حيوية مقابل رواتب لا تكفي لتأمين وجبتي طعام في اليوم، وفق ما رصدته “دروب”.

ويتفاقم الواقع المعيشي مع غياب زيادات فعلية في الأجور، وتأخر صرف المرتبات، وتراجع الدور النقابي، في مقابل تصريحات رسمية يصفها العاملون بأنها فضفاضة ولا تمس جوهر الأزمة.

راتب يُنفق في يوم واحد

يقول (م.ص.م)، وهو عامل بقطاع الصحة في محلية حلفا الجديدة شرق السودان، إن راتبه الشهري لم يعد يغطي سوى احتياجات يوم واحد فقط.

وأضاف في حديثه لـ”دروب”: “راتبي لا يتجاوز 20 ألف جنيه شهريًا، أي ما يعادل نحو 6 دولارات، يُنفق منها نحو ثلاثة دولارات على الخبز لوجبتين، بينما يذهب المتبقي لشراء حلة الملاح”.

ويروي (م) معاناته بنبرة حزينة، مشيرًا إلى اضطراره للعمل بعد انتهاء دوامه اليومي الشاق في عمل إضافي أكثر مشقة، فقط لتأمين احتياجات أسرته الصغيرة.

“الغذاء الجيد أصبح نوعًا من الترف… راتبي الشهري يُنفق في يوم واحد، أما بقية الشهر فأغطيها من عمل آخر أقسى من عملي في الصحة، يقول “م”.

عمل بلا مقابل مُجزٍ

ولا يختلف حال العاملين في قطاع التعليم كثيرًا، إذ يعاني المعلمون، إلى جانب ضعف الأجور، من تأخر صرف الرواتب لأشهر طويلة.

ويقول (س.ع.ح)، وهو معلم بالمرحلة الابتدائية، إن راتبه – في حال صُرف – لا يغطي حتى تكلفة التنقل من قريته إلى المدرسة التي تبعد نحو 10 كيلومترات.

وأضاف “أصبح عملي دون مقابل حقيقي، راتبي الهزيل لا يغطي مصروفات يومين، وأضطر للعمل في تدريس الطلاب بعد الدوام لتأمين احتياجاتي الأساسية”.

ويؤكد (س) أنه لا يملك خيار الاحتجاج أو ترك العمل، خوفًا من الملاحقة القانونية أو الفصل من الخدمة، مستشهدًا بما حدث في محلية خشم القربة، حيث جرى اعتقال معلمين طالبوا بحقوقهم.

نقابات غائبة وخوف متجدد

ويرى المعلم أن غياب النقابات المستقلة يُعد أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار هذا الوضع، لافتًا إلى عودة عناصر من النظام السابق للسيطرة على النقابات وإدارات التعليم.

وتابع “أي حديث عن الظلم قد يعرّضني للخطر، لذلك لا يمكننا مخاطبتهم”.

وفي وقت كان العاملون يترقبون انفراجًا مع دخول العام الجديد، فوجئوا بخلو الميزانية العامة من أي نصوص واضحة تتعلق بزيادة الرواتب.

غير أن وزير المالية، جبريل إبراهيم، أعلن عن شروع المجلس الأعلى للأجور في ترتيبات لزيادة مرتبات العاملين بالدولة.

وقال جبريل، خلال تدشين استئناف عمل بنك السودان المركزي بالخرطوم نهاية الأسبوع الماضي، إن الزيادة ستكون “ملموسة وتدريجية”، وبما لا يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم، مشيرًا إلى تراجع القوة الشرائية للعاملين.

محاولة للالتفاف على الاستحقاقات

في المقابل، اعتبرت لجنة المعلمين السودانيين هذه التصريحات محاولة للتملص من الالتزامات الرسمية تجاه زيادات الأجور. وقالت اللجنة، في بيان، إن حديث وزير المالية يثير استغرابًا واسعًا ويعكس خللًا جوهريًا في التعامل مع ملف الأجور، مشيرة إلى أن انعقاد المجلس الأعلى للأجور بعد إجازة الميزانية يُعد سابقة غير معهودة في تاريخ السودان المالي.

وأوضحت اللجنة أن الدور الأساسي للمجلس يتمثل في تقديم تصورات علمية للحدين الأدنى والأعلى للأجور قبل إقرار الميزانية، استنادًا إلى دراسات تكلفة المعيشة ومستويات التضخم، معتبرة أن ما يجري يمثل استخفافًا بمعاناة العاملين ومحاولة لتسويق زيادات شكلية تفتقر للجدوى الاقتصادية.

وأضاف البيان أن عبارات مثل «زيادة متدرجة» و«عدم رفع التضخم» تظل وعودًا عامة ما لم تُرفق بأرقام واضحة ونسب محددة وجدول زمني ملزم.

أزمة مفتوحة وحلول مشروطة

وأكدت لجنة المعلمين أن أوضاع العاملين بلغت مستويات غير مسبوقة من التدهور، في ظل توقف صرف المرتبات والمتأخرات، واستمرار الحرب التي استنزفت الموارد العامة لصالح فئات محدودة.

وشددت على أن أي معالجة حقيقية لملف الأجور يجب أن تشمل “رفع الحد الأدنى للأجور بما يتناسب مع الواقع المعيشي، صرف متأخرات المرتبات منذ اندلاع الحرب، مراجعة البدلات ذات القيم الثابتة، الوقف الفوري للحرب باعتبارها السبب الرئيسي للأزمة الاقتصادية،.

وختمت اللجنة بيانها بالتأكيد على رفضها لأي زيادات لا تعكس حجم الانهيار المعيشي، محذّرة من محاولات تضليل الرأي العام بوعود غير محددة، ومجددة تمسكها بحق المعلمين والعاملين في أجر عادل يضمن الحد الأدنى من الحياة الكريمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى