“النيل الأزرق”.. جبهة جديدة تعمّق الصراع في السودان

(تقرير) 27 يناير 2026 – حذّر خبراء عسكريون وسياسيون من تحوّل جبهة النيل الأزرق إلى ساحة صراع مركّبة، تتقاطع فيها المستويات العسكرية والاجتماعية والسياسية، ما ينذر بموجة عنف وعدم استقرار في الإقليم ذي الموقع الاستراتيجي.
يأتي ذلك بعد أن عادت المعارك في ولاية النيل الأزرق، جنوب شرقي السودان، بداية الأسبوع الجاري، إثر اندلاع مواجهات عنيفة في محلية باو، بين الجيش السوداني من جهة، وقوات الدعم السريع المتحالفة مع الحركة الشعبية من جهة أخرى، وذلك بعد فترة من الهدوء النسبي.
وقال الخبراء في تصريحات لـ”دروب” إن قوات الدعم السريع تخطط للاكتفاء بدارفور وكردفان، مع دعم أنصارها في المناطق الأخرى ذات المظالم التاريخية لمواصلة العمل العسكري ضد الجيش السوداني، “في استراتيجية تقوم على استغلال المطالب المشروعة للسكان، والمرتبطة بالتهميش التنموي وضعف الخدمات، لصالح الأجندة العسكرية”.
مناورة عسكرية محسوبة الأهداف
ذكر الخبير الأمني والاستراتيجي د. الفاتح عثمان محجوب، أن قيام قوات الدعم السريع باختراق ولاية النيل الأزرق لا يشكّل في حد ذاته تهديدًا عسكريًا مباشرًا أو حاسمًا للجيش السوداني، بقدر ما يمثّل مناورة عسكرية محسوبة الأهداف.
وأوضح في تصريح لـ”دروب” أن هذه الخطوة تهدف أساسًا إلى إرهاق القوات المسلحة، وإجبارها على سحب جزء من قواتها المنتشرة في محاور القتال الرئيسية بولاية كردفان، وإعادة نشرها في ولايات النيل الأزرق وسنار والنيل الأبيض، تحسّبًا لأي تصعيد محتمل.
وحذّر الفاتح من أن هذا التشتيت في الجهد العسكري قد ينعكس سلبًا على وتيرة العمليات التي ينفذها الجيش في إطار حملته الرامية إلى استعادة السيطرة على ولايات كردفان ودارفور.
وأضاف أن “الموقع الجغرافي الحساس لإقليم النيل الأزرق، وما يمثله من عمق استراتيجي وأمني، يجعل من المستحيل على الجيش السوداني تجاهل أي تهديدات محتملة في هذه المنطقة، حتى وإن جاءت في إطار الضغط غير المباشر أو المناورات العسكرية”.
خيار الحسم العسكري
من جهته، يرى المحلل السياسي والباحث في شؤون شرق أفريقيا، فؤاد عثمان، أن تطورات الأوضاع في النيل الأزرق توضّح غياب نية وقف الحرب وإصرار الطرفين على التمسك بخيار عسكري أثبت فشله، وقاد البلاد إلى كارثة شاملة.
وأكد عثمان في حديثه لـ”دروب” أن الطرفين يعملان على تعطيل فرص التوصل إلى هدنة إنسانية جادة أو وقف فعلي لإطلاق النار، ويفرغان كل المبادرات والدعوات للسلام من مضمونها، عبر التصعيد المستمر وإعادة إنتاج العنف في مناطق جديدة.
وذكر أن تطورات المشهد العسكري، لا سيما في النيل الأزرق، وما سبقها من أحداث في مناطق أخرى، تكشف زيف الادعاءات المتكررة بشأن الاستعداد للتهدئة.
وأضاف: “الإعلانات السابقة لقوات الدعم السريع حول القبول بالهدنة، لم تتجاوز حدود المناورة السياسية والعسكرية، بهدف تحسين المواقع الميدانية وتسجيل مكاسب تكتيكية على حساب الطرف الآخر، دون أي اكتراث لمعاناة المدنيين أو الكلفة الوطنية الكارثية لاستمرار الحرب”.
ومنذ اندلاع الصراع، كان واضحًا – وفق فؤاد – أن إطالته ستقود إلى تحولات أكثر دموية واتساعًا، وأن تمدده سيحرق ما تبقى من البلاد، ويفكك نسيجها الاجتماعي المتآكل أصلًا بفعل عقود من التحريض وخطابات الكراهية والعنصرية.
ويعتقد فؤاد أن هذا المسار وفّر بيئة مسمومة وأرضية خصبة لانتهاكات جسيمة وواسعة النطاق، ترقى إلى مستوى جرائم غير مسبوقة في تاريخ السودان الحديث.
ويمضي عثمان بقوله: “السودان كساحة صراع إقليمي، وبفعل هذا المسار، لم يعد خطر الانقسام مجرد احتمال نظري، بل بات واقعًا يتشكّل على الأرض، في ظل تحوّل السودان إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية”. تتقاطع المصالح، وتُدار الحرب بالوكالة، بينما يُدفع الشعب السوداني ثمنًا فادحًا لهذا العبث السياسي والعسكري”.
فيما الأخطر أن قرار وقف الحرب لم يعد حكرًا على أطرافها المحلية، بعد أن جرى رهنه لحسابات خارجية وتوازنات إقليمية معقدة، ما يضع مستقبل البلاد وسيادتها على المحك، ويكشف حجم المسؤولية التاريخية التي يتحملها أطراف الصراع عن هذا الانزلاق الخطير، بحسب عثمان.
أبعاد سياسية واجتماعية معقدة
في المقابل، يرى المحلل السياسي د. مصعب فضل المرجي، في حديثه لـ”دروب”، أن محاولات قوات الدعم السريع المتكررة للسيطرة على إقليم النيل الأزرق تمثّل تطورًا بالغ الخطورة في مسار الصراع، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية العسكرية والسياسية للإقليم، وتعقيداته الاجتماعية والحدودية.
ويشير المرجي إلى أن السيطرة على النيل الأزرق، في حال تحققت، ستمنح قوات الدعم السريع عمقًا جغرافيًا مهمًا، يتيح لها فتح مسارات إمداد جديدة، وربط مناطق نفوذها في ولايات متفرقة، إضافة إلى تهديد مباشر لحدود السودان مع دول الجوار، بما قد يقود إلى تدويل أوسع للصراع.
ولفت إلى أن البعد العسكري يتقاطع مع بعد سياسي لا يقل خطورة، حيث تسعى قوات الدعم السريع إلى استثمار وجود مجموعات سكانية مناصرة لها داخل الإقليم، والعمل على إعادة صياغة الصراع من كونه تمردًا مسلحًا إلى ما يبدو كأنه مطالب “أهل الإقليم”، في محاولة لكسب غطاء اجتماعي وسياسي محلي يخفف من حدة الرفض الوطني والإقليمي.
تفكيك النسيج الاجتماعي
وحذّر المرجي من أن هذه الاستراتيجية تقوم على خلط متعمد بين المطالب المشروعة لسكان النيل الأزرق، المرتبطة بالتهميش التنموي والخدمات، وبين الأجندة العسكرية لقوات الدعم السريع، وهو ما يشكّل خطرًا حقيقيًا على النسيج الاجتماعي، وقد يقود إلى صراعات أهلية داخلية طويلة الأمد.
ويؤكد أن تحويل الإقليم إلى ساحة صراع متعددة المستويات – عسكرية واجتماعية وسياسية – ينذر بمزيد من عدم الاستقرار، مشددًا على أن أي سيطرة عسكرية لا تستند إلى توافق مجتمعي حقيقي ستفتح الباب أمام موجات عنف وانتقام متبادل.
في ظل الإصرار على مواصلة القتال، تتفاقم معاناة المجتمعات المحلية في إقليم النيل الأزرق بصورة خاصة، إذ تدفع ثمنًا مضاعفًا لحرب لا تملك فيها أي مصلحة.



