تفكيك النظام.. صراع الإرادة في حقل الألغام السلطوي

تماضر بكري
يأتي البيان الأخير الصادر عن لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو ليضع الإصبع على جرح وطني لا يزال ينزف، معيدا صياغة السؤال الجوهري حول مسارات الانتقال هل يكفي “الحق” وحده لينتصر في مواجهة “القوة”؟…
الترحيب والتفاعل الذي قوبل به هذا التوجه يعكس وعيا جمعيا بأن كبح تمدد عناصر النظام السابق ليس مجرد تصفية حسابات سياسية، بل هو ضرورة وجودية لاسترداد الدولة المختطفة منذ عقود. فالمسألة في جوهرها هي معركة لقطع الطريق أمام “الدولة العميقة” التي لم يكن حضورها مجرد نفوذ سياسي بل هيكلة متجذرة في مفاصل الاقتصاد والأمن تهدف بالأساس إلى تعطيل أي مشروع وطني لا يخدم أجندتها.
بيد أن هذه “الإيجابية” في القرار تصطدم اليوم بجدار صلب من الواقع المعقد. فالتنفيذ لا يواجه عوائق قانونية فحسب، بل يغوص في متاهة “القبضة السلطوية” التي باتت تهيمن على المشهد فالانتقال من مرحلة “إصدار البيان” إلى مرحلة “استرداد الحقوق” يتطلب بيئة تنفيذية تتمتع بالاستقلالية والجرأة، وهو ما يبدو صعب المنال في ظل تداخل الصلاحيات والمقاومة الشرسة التي سوف تبديها الجيوب البيروقراطية داخل أجهزة الدولة. هذه الجيوب التي لا تزال تدين بالولاء للماضي، ستحاول بكل السباق في تحويل المسافة بين القرار وتطبيقه إلى مساحة ضوئية مليئة بالمماطلة والتسويف بل والاحساس..
إننا أمام مشهد يتسم بالتناقض الصارخ؛ فبينما يمثل قرار التفكيك استجابة حتمية لإرادة التغيير وتجفيف منابع التخريب الممنهج، تظل أدوات التنفيذ أسيرة لتوازنات القوة والمركزية الشديدة…
وبالرغم من ذلك، يظل تفكيك نظام استمر لثلاثين عاماً عملية جراحية دقيقة في جسد منهك، لا تحتمل أنصاف الحلول ولا تقبل المواربة و إن القيمة الحقيقية لأي بيان تكمن في قدرته على اختراق طوق الواقع المفروض وانتزاع الحقوق من براثن التجميد. وبدون إرادة سياسية حقيقية تكسر هذه القبضة وتفسح المجال لعدالة ناجزة، سيظل حلم التفكيك يراوح مكانه، بينما يستمر الواقع القديم في إعادة إنتاج نفسه بوجوه وأقنعة جديدة.



