زيارة “حميدتي” إلى أوغندا.. وساطة جديدة ام هروب من “الرباعية”؟

(تقرير) 23 فبراير 2026 – وساطة جديدة في طريقها إلى الدخول على خط الأزمة السودانية وفق ما كشفته زيارة قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” إلى دولة أوغندا، في وقت اعتبر فيه محللون لـ”دروب” أن البحث عن وساطة جديدة محاولة للهروب من الآلية الرباعية التي قطعت أشواطاً في وضع اللمسات النهائية لوقف الحرب بالسودان.
يأتي ذلك وسط توقعات بأن تكون التحركات الأوغندية قد جاءت بتكليف من الآلية الخماسية التي تضم الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والهيئة الحكومية للتنمية “ايقاد”، بهدف جمع طرفي النزاع حول مائدة تفاوض تمهيداً لوقف القتال.
وكان قائد الدعم السريع قال في خطاب امام سودانيين بالعاصمة الأوغندية كمبالا، إن زيارته جاءت بدعوة من الرئيس موسفيني، الذي طلب منه الجيش السوداني التوسط بينه والدعم السريع، وفق قوله.
وقال محللون لـ”دروب” إن المساعي الجديدة بمثابة التفاف على مسار “الرباعية الدولية” لأجل كسب الوقت إزاء الضغوط الدولية المتزايدة للشروع الفوري في تنفيذ هدنة إنسانية غير مشروطة، كما ورد في إحاطة مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي، أمام مجلس الأمن الدولي نهاية الأسبوع الماضي.
وأشاروا إلى سلسلة منابر الوساطة المتعددة خلال الثلاث سنوات الماضية، بدءاً بجدة والايقاد والمنامة وانتهاءًا بالرباعية، وجميعها لم تقود إلى وقف الحرب.
رسائل سياسية
ومع ذلك قلل المحلل السياسي والباحث في شؤون شرق أفريقيا، فؤاد عثمان، من قدرة كمبالا على إقناع طرفي النزاع بقبول هدنة إنسانية أو وقف إطلاق نار دائم، معتبرين أن التعقيدات الميدانية وتضارب الحسابات السياسية يحدّان من فرص أي تحرك منفرد.
وقال إن مساعي موسيفيني لا تخرج عن إطار الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى وقف الحرب وإطلاق مسار تسوية سياسية، مشيراً إلى أن استقبال كمبالا لـ”عقار وحميدتي” تندرج ضمن تنسيق أوسع تقوده الآلية الخماسية.
وأضاف عثمان، في حديثه لـ”دروب”، أن تعاطي طرفي النزاع مع المبادرات المطروحة يعكس حالة من التعثر والبطء، ما يتطلب جهداً مضاعفاً من الفاعلين الإقليميين والدوليين لدفع العملية السياسية قدماً.
واعتبر أن زيارة حميدتي إلى كمبالا حملت رسائل سياسية وعسكرية ودبلوماسية متعددة، في ظل استمرار الحرب وتفاقم الانقسام.
وأشار إلى أن الزيارة جاءت في أعقاب تمسك الاتحاد الأفريقي بقرار تعليق عضوية السودان عقب إجراءات 25 أكتوبر 2021، وهو القرار الذي يُنظر إليه كأحد أدوات الضغط في معركة الشرعية الدبلوماسية بين حميدتي وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان.
وأوضح أن طبيعة الوفد المرافق لحميدتي تعكس مسعى لتقديم نفسه باعتباره رئيس سلطة أمر واقع، في محاولة للتعامل معه على مستوى رؤساء الدول، في مقابل اتهامات لقيادة الجيش بمحاولة تجاوز أسباب التجميد عبر ترتيبات سياسية داخلية، من بينها تعيين رئيس وزراء مدني محدود الصلاحيات والمضي في تشكيل مجلس تشريعي يصفه منتقدون بـ”الصوري”.
ويرى عثمان أن إطالة أمد الحرب وتحولها إلى واقع انقسام جغرافي فعلي، أسهما في تكريس التنافس على الاعتراف الخارجي، وتحويل الصراع من مواجهة على السلطة إلى صراع على الشرعية الدولية.
تخفيف الضغوط
من جهتها، اعتبرت المحللة السياسية والباحثة السابقة بمركز دراسات أفريقيا، الدكتورة رجاء شوكت، أن أوغندا تُعد “ظهيراً غير آمن” للسودان منذ عهد النظام السابق، مستبعدة أن تكون طرفاً مقبولاً في مسعى جاد لحل النزاع.
وقالت شوكت لـ”دروب” إن التحركات المرتبطة بكمبالا قد تُفهم في سياق محاولة تخفيف الضغوط الدولية على قوات الدعم السريع، في ظل قرارات أممية بفرض عقوبات على بعض قياداتها، إلى جانب إدانات رسمية من دول دائمة العضوية في مجلس الأمن، بينها المملكة المتحدة، على خلفية انتهاكات في مدن عدة من بينها الفاشر.
ورأت أن هذا الحراك “لا يقرّب وجهات النظر بقدر ما يصنع فقاعات إعلامية”، مشيرة إلى غياب طرح سياسي متكامل يعالج جذور الأزمة العسكرية والسياسية، مؤكدة أن أي مسار أفريقي للحل ينبغي أن تقوده مؤسسات إقليمية راسخة مثل الاتحاد الأفريقي أو “إيغاد”، لا مبادرات منفردة.
التفاف على الرباعية
بدوره، اعتبر الكاتب الصحفي مصطفى سري أن ثمة “مخططاً للهروب من الرباعية الدولية” عبر الدفع بمبادرة إقليمية بديلة.
وأوضح أن زيارة مالك عقار قد تندرج ضمن هذا السياق، واصفاً ما يجري بأنه محاولة لـ”التبضع في سوق المبادرات” بهدف إضعاف المسار الدولي القائم.
وأشار سري إلى تجارب سابقة في عهد عمر البشير، حين طُرحت مبادرات موازية لمنافسة مسارات إقليمية، معتبراً أن المشهد الحالي أكثر تعقيداً من حيث تداخل الأجندات الإقليمية والدولية.
وختم بالتأكيد على أن مآلات أي مبادرة جديدة ستظل رهينة بتوازنات معقدة، في ظل استمرار الحرب وتباين حسابات الأطراف المحلية والإقليمية، ما يجعل فرص التوصل إلى هدنة شاملة أو تسوية سياسية مستدامة مرهونة بإرادة سياسية حقيقية وضغوط دولية منسقة.



