زيارة البرهان إلى تركيا.. “جولة الحرب” في أرض البيرقدار

(تقرير) 26 ديسمبر 2025 – رأى محللون سياسيون أن زيارة رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان إلى تركيا، قد تشكّل مدخلاً لتعاون عسكري واقتصادي بين البلدين، مما قد يساعد الجيش السوداني في قلب الطاولة على قوات الدعم السريع المتقدمة في كردفان.
وجاءت زيارة البرهان إلى أنقرة على رأس وفد أمني رفيع المستوى، ضم مدير جهاز المخابرات العامة ومدير عام منظومة الصناعات الدفاعية، الأمر الذي فتح الباب أمام تكهنات واسعة بشأن طبيعة الملفات المطروحة على طاولة المباحثات، وما إذا كانت الزيارة تتجاوز أطرها الدبلوماسية المعتادة إلى ترتيبات أمنية وعسكرية أعمق.
وتُعد أنقرة امتداداً لتحركات البرهان الإقليمية الأخيرة، التي شملت زيارات إلى الرياض والقاهرة، في سياق البحث عن مخرج للأزمة السودانية التي باتت تتداخل فيها التعقيدات المحلية مع الحسابات الإقليمية والدولية.
وأشار محللون إلى أن البرهان يحاول كسب المزيد من الوقت لإطالة أمد الصراع وايجاد حلفاء إقليميين لمواجهة الضغوط الاقليمية والدولية التي تطالبه بالذهاب إلى المفاوضات وإقرار هدنة انسانية تقود لوقف دائم للقتال.
وأثارت زيارةٌ البرهان إلى تركيا تساؤلات واسعة حول دوافعها الحقيقية، بين من يراها مسعى للحصول على دعم عسكري وسياسي بعد التراجعات الميدانية الكبيرة للجيش في كردفان ودارفور، ومن يعتقد أنها محاولة لكسب مزيد من الوقت والالتفاف على مبادرة الرباعية، عبر توسيع شبكة الحلفاء الإقليميين في مواجهة الضغوط الدولية المتزايدة.
مشهد معقد
في هذا السياق، يرى المحلل السياسي والباحث في شؤون شرق أفريقيا فؤاد عثمان أن زيارة البرهان إلى تركيا تأتي ضمن مشهد إقليمي بالغ التعقيد، وتهدف بالأساس إلى تعزيز الغطاء والدعم السياسي لسلطة بورتسودان، في ظل تصاعد الضغوط المرتبطة بمسارات التسوية المطروحة، وعلى رأسها مبادرة الرباعية.
وأوضح عثمان، في حديثه لـ«دروب»، أن تركيا تُعد من أبرز الدول الداعمة لسلطة بورتسودان، وهو ما يفسّر طبيعة الزيارة وتركيبة الوفد المرافق، الذي ضم مسؤولين من الأجهزة الأمنية وممثلين عن الصناعات الدفاعية، بما يعكس أن الزيارة تتجاوز الطابع البروتوكولي إلى بحث ملفات تتعلق بالأمن والدفاع والتعاون العسكري.
وأضاف أن الزيارة يمكن قراءتها أيضاً في إطار محاولة لتوسيع هامش المناورة السياسية إقليمياً، بالتوازي مع التحركات الأخيرة نحو القاهرة والرياض، بما يشير إلى مساعٍ لإعادة ترتيب أو موازنة المواقف الإقليمية، في ظل التباينات القائمة حول خريطة الطريق التي طرحتها الرباعية في 12 سبتمبر.
ويخلص عثمان إلى أن أي دعم خارجي، مهما بلغ حجمه أو تنوّعت أشكاله، لا يمكن أن يشكّل بديلاً عن تسوية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة السودانية، وتضع مساراً واضحاً لوقف الحرب واستعادة المسار المدني الديمقراطي، مؤكداً أن هذا يظل التحدي الحقيقي أمام جميع الأطراف.
محاولات كسب الوقت
من جانبه، يرى البروفيسور صلاح الدومة، أستاذ العلاقات الدولية بالجامعات السودانية، أن زيارة البرهان إلى أنقرة لا تخرج عن إطار محاولات كسب الوقت وإطالة أمد الصراع، عبر اختبار أدوات وأساليب جديدة لإدارة الأزمة، بدلاً من التوجّه الجاد نحو إنهاء الحرب.
ويعتقد الدومة أن من بين هذه الأساليب السعي لتعزيز القدرات العسكرية عبر صفقات تسليح محتملة، إلى جانب تحركات دبلوماسية غير معلنة تهدف إلى طلب وساطة تركية لدى الولايات المتحدة، بما يمنح البرهان هامشاً زمنياً إضافياً لمواصلة الحرب وتجاوز الضغوط الدولية المتصاعدة.
ويخلص الدومة، في حديثه لـ«دروب»، إلى أن هذه الزيارة لا تعكس، في جوهرها، توجهاً حقيقياً نحو تسوية سياسية شاملة، بقدر ما تمثل محاولة لإعادة التموضع التكتيكي في المشهدين الإقليمي والدولي، بما يخدم استمرار الوضع القائم.
ضوء أخضر
في المقابل، يقدّم المحلل السياسي والاستراتيجي د. الفاتح عثمان محجوب قراءة مغايرة، مشيراً إلى أن زيارة البرهان لا يمكن فصلها عن السياق الإقليمي والدولي الأوسع، وعلى رأسه المبادرة السعودية–الأمريكية، ولقاءات البرهان الأخيرة مع ولي العهد السعودي والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إلى جانب تحركات رئيس مجلس الوزراء د. كامل إدريس داخل أروقة الأمم المتحدة.
ويذهب عثمان، في حديثه لـ«دروب»، إلى أن المعطيات الحالية توحي بأن الولايات المتحدة منحت ضوءاً أخضر لإعادة تأهيل الاقتصاد السوداني وإعادة تسليح الجيش، وهو ما يفسر – بحسب تعبيره – السلاسة اللافتة في تحركات البرهان الخارجية.
وأشار إلى أن مجلس الأمن الدولي عقد جلسة خاطبه فيها رئيس الوزراء، بعد امتناعه طوال عامين عن تخصيص جلسة للنظر في شكاوى الحكومة السودانية ضد قوات الدعم السريع والإمارات.
وبحسب عثمان، فإن زيارة البرهان إلى تركيا قد تشكّل مدخلاً لتعاون عسكري واقتصادي واسع بين البلدين، وهو ما تعكسه مظاهر الحفاوة الكبيرة التي حظي بها خلال الزيارة.
وتوقع أن تسفر هذه الخطوة عن نتائج ملموسة، خاصة في ظل شروع المؤسسات المالية الدولية في تطبيع علاقاتها مع الحكومة السودانية، وتقديم منح يُقدّر حجمها بنحو ملياري دولار.
ويؤكد د. الفاتح عثمان أن هذه التطورات تمثل، ولأول مرة منذ اندلاع الحرب، تعاطياً دولياً مع الحكومة السودانية بدرجة عالية من الاحترام، بما يعكس – من وجهة نظره – توجهاً دولياً نحو طي صفحة الحرب، وتعزيز فرضية غياب أي دور مستقبلي لقوات الدعم السريع في أي تسوية سياسية قادمة، وهو جوهر المبادرة التي طرحها رئيس الوزراء د. كامل إدريس.
حشد الدعم
ومن جهته يعتقد د. نبيل أديب، العضو السابق في تنسيقية الحرية والتغيير، أن زيارة البرهان إلى تركيا يمكن قراءتها في سياق متصل بالزيارات السابقة التي أجراها إلى كلٍّ من مصر والمملكة العربية السعودية.
وقال أديب في حديثه لـ “دروب” إن التحركات الخارجية للبرهان، في جوهرها، تهدف إلى حشد دعم ومساندة من هذه الدول للمؤسسات التابعة للدولة السودانية، في ظل الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد.
وفي السياق ذاته، أكد المحلل السياسي التركي د. عبد المطلب أربا، في حديث تلفزيوني لقناة «الحدث»، أن زيارة البرهان جاءت في توقيت بالغ الحساسية، في ظل التراجعات الميدانية التي يعاني منها الجيش السوداني. وأشار إلى أن العلاقات التاريخية بين تركيا والسودان تجعل أنقرة خياراً منطقياً للبحث عن الدعم العسكري والسياسي.
وأضاف أربا أن البرهان يسعى، من خلال هذه الزيارة، إلى الحصول على السلاح والدعم السياسي، في وقت يخوض فيه الجيش معارك صعبة ويواجه تمدد قوات الدعم السريع، التي تتهم بارتكاب جرائم إبادة جماعية. كما لفت إلى أن التوجّه نحو تركيا يأتي بعد تراجع آمال الخرطوم في الحصول على دعم عربي واسع، مثل الذي قدمه لـ “غزة”.



