أصدقاء دروبتقارير

السودان.. “الأشخاص ذوي الإعاقة” بين الانتهاكات المنهجية والفجوات الإنسانية

أزمة مضاعفة في زمن الحرب

كتب: محمد ود السك

مع مرور أكثر من ألف يوم على اندلاع النزاع المسلح في السودان في 15 أبريل 2023، أصبحت الأزمة الإنسانية أكبر كارثة عالمية، حيث يحتاج 33.7 مليون شخص (أكثر من ثلثي السكان) إلى مساعدات عاجلة، وفقًا لتقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA). ومع ذلك، فإن الأشخاص ذوي الإعاقة – الذين يُقدر عددهم بنحو 15% من السكان قبل الحرب (أي قرابة 7-8 ملايين شخص، حسب ورقة العمل “تأثير النزاع في السودان على الأشخاص ذوي الإعاقة” المقدمة في ورشة اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة، من إعداد أ.د محمد محيي الدين إبراهيم، رئيس المنظمة السودانية للتنمية والإعاقة) – يواجهون أزمة مضاعفة. الحرب فاقمت إعاقاتهم وحوّلتهم إلى ضحايا منسية في نظام إنساني يفتقر إلى الإدماج الشامل.

وشهدت الحرب ارتفاع حاد في الإعاقات والانتهاكات.وتعتمد ورقة العمل الرئيسية (“تأثير النزاع في السودان على الأشخاص ذوي الإعاقة”) على بيانات ميدانية توثق كيف أدى النزاع إلى ارتفاع حاد في الإعاقات الجسدية والنفسية، خاصة بين المدنيين، نتيجة القصف العشوائي، انهيار الخدمات الصحية، والنزوح القسري. قبل الحرب، كان ذوو الإعاقة يشكلون 15% من السكان، لكن النزاع أضاف آلاف جدد، حيث أصبحوا أكثر عرضة للإصابات بسبب محدودية حركتهم وعدم توفر آليات إجلاء آمنة.وتشير الورقة إلى أن النزوح القسري – الذي بلغ 12 مليون شخص بحلول يناير 2026 (IOM) – جعل ذوي الإعاقة أكثر الفئات تضررًا، مع غياب خطط طوارئ تراعي احتياجاتهم، مما أدى إلى فقدان الكثيرين في الطرق أو تركهم خلفًا.

وتوثق زيادة بنسبة 300% في الإصابات المؤدية إلى إعاقات دائمة منذ بداية الحرب، بما في ذلك أكثر من 15,000 حالة بتر أطراف، نحو 40,000 إصابة في العمود الفقري،8000حالة فقدان بصر جزئي أو كلي،و12,000 حالة فقدان سمع دائم.كما يعاني4 ملايين شخص من اضطرابات نفسية حادة نتيجة النزاع.

وهنالك 600,000 طفل ظهرت عليهم أعراض اضطراب ما بعد الصدمة.

وتؤكد زيادة بنسبة 400% في حالات الاكتئاب الحاد.كما أن انهيار النظام الصحي حيث أصبحت 70% من المنشآت غير عاملة (WHO) – حرمهم من الأدوية والأجهزة المساعدة، مما أدى إلى تدهور حالاتهم. في دارفور وكردفان، حيث يسيطر النزاع، أصبحت الإعاقات النفسية مثل اضطراب ما بعد الصدمة شائعة بنسبة تفوق 40% بين النازحين، وفقًا لتقارير MSF في 2025، مع نقص في الأطباء النفسيين.

فجوات في الاستجابة الإنسانية

أبرزت ورقة العمل فجوة الاستجابة الإنسانية، حيث غابت إدماج الإعاقة في خطط الطوارئ، مما جعل ذوي الإعاقة عرضة للنزوح القسري دون مساعدة. تقارير OCHA في 2025 تشير إلى أن أقل من 10% من المساعدات الإنسانية تراعي احتياجاتهم، مع نقص في الأجهزة المساعدة والعلاج النفسي. كما أدى النزوح إلى تفكك عائلي، مع ترك الكثيرين خلفًا، وارتفاع حالات العنف الجنسي بينها.

وقد أظهرت الحرب ضرورة إدماج الإعاقة في الخطط الإنسانية. وتشمل توصيات ورقة العمل بضرورة تعزيز الاستجابة الإنسانية الشاملة،ضمان الإدماج في عمليات السلام،تعزيز الحماية الاجتماعية والاقتصادية،توثيق ورصد الانتهاكات،كما تطالب بضمان المساءلة والتعويض للضحايا.

تعبئة الموارد المالية مثل سد فجوة التمويل البالغة 80 مليون دولار من خلال شراكات دولية ومحلية وتوجيه الدعم نحو البرامج طويلة الأمد وليس الطارئة فقط.

الإعاقة بوصفها بنية تمييز لا حالة فردية

امتدت معاناة الأشخاص ذوي الإعاقة في السودان من تبعات القصف أو النزوح لتكشف الحرب عن بنية تمييزية أعمق كانت قائمة قبل النزاع وتفاقمت بعده.فالسياسات الغائبة، والتخطيط غير الشامل، ونماذج الإغاثة التي تفترض جسدًا طبيعيًا وتقصي كل من يخرج عن هذا الافتراض.

تشير ورقة العمل إلى أن الأشخاص ذوي الإعاقة لم يُستشاروا في تصميم آليات النزوح أو توزيع المساعدات أو إنشاء الملاجئ، مما حوّلهم إلى فئة غير مرئية في قلب الاستجابة الإنسانية. فغياب المنحدرات، المراحيض المهيأة، الإشارات السمعية والبصرية، أو خدمات الترجمة،يعد تعبيرًا عن منطق إقصائي يعتبر الإعاقة مسألة ثانوية.

وتُظهر شهادات ميدانية أن كثيرين لم يغادروا مناطق القصف لأنهم لم يجدوا وسيلة نقل مهيأة، أو مرافقين، أو معلومات يمكن الوصول إليها. هذا التحول من النجاة إلى الاستحالة يضع الإعاقة في قلب تحليل العنف، لا على هامشه.

وكشفت الحرب أن النظام الإنساني نفسه يُنتج هشاشة إضافية. فحين يُصمَّم العالم للناجين الأصحاء فقط، يصبح ذوو الإعاقة أول من يُترك للموت والخراب، وأقل من يُحصى، وآخر من يُعالج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى