3 سنوات من الحرب.. الجوع يحاصر السودانيين

(تقرير) 15 أبريل 2026 – يقول رشدي إبراهيم، إنه أصبح في حاجة إلى نحو 12 ألف جنيه يوميًا لتوفير وجبتين فقط من الخبز لأسرة مكونة من أربعة أفراد، وقد كان هذا المبلغ يكفيه لنحو ثلاثة أيام قبل الحرب.
تدهور متسارع بشكل غير مسبوق في الوضع الاقتصادي والمعيشي للسودانيين جراء الحرب التي دخلت عامها الرابع دون مؤشرات تلوح في الأفق لوقفها، في وقت تكاد تكون كل مناحي الحياة معطلة.
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، شهدت الأوضاع المعيشية تدهورًا حادًا نتيجة الارتفاع الكبير في الأسعار. فقد ارتفع سعر لتر الجازولين من 600 جنيه إلى 7000 جنيه بحلول أبريل الجاري.
وشهدت أسعار السلع الغذائية ارتفاعات حادة، حيث قفز سعر قطعة الخبز (30 جرامًا) من نحو 100 جنيه قبل عام إلى 250 جنيهًا حاليًا مع تراجع في الوزن، بينما ارتفعت تكلفة وجبة الفول مع رغيفين في المطاعم من 2 ألف إلى 7 آلاف جنيه. كما تجاوزت زيادات تعرفة النقل نسبة 100%، ما فاقم الأعباء اليومية على المواطنين.
وقبل الحرب كان يباع كيلو السكر بواقع 1000 جنيه لكن اليوم تجاز الـ4 آلاف جنيه، وبينما يباع لتر الزيت بواقع 2 ألف جنيه قفز اليوم إلى 10 ألف جنيه.
وفي ظل هذا الواقع، تتصاعد مخاوف الأسر من العجز عن تأمين الاحتياجات الأساسية، بما في ذلك التعليم.
يقول منسق الأمم المتحدة للإغاثة في حالات الطوارئ توم فليتشر، إنه “بعد مرور ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، بات ما يقرب من 34 مليون شخص – أي نحو شخصين من كل ثلاثة أشخاص في السودان – بحاجة إلى دعم إنساني، مما يجعلها أكبر أزمة إنسانية في العالم”.
وأضاف فليتشر في بيان بمانسة دخول الحرب السودانية عامها الرابع أن “الجوع يشتد في البلاد مع اقتراب موسم العجاف، وأن الأطفال يعانون من سوء تغذية حاد ومحرمون من التعليم، بينما تواجه النساء والفتيات عنفا جنسيا ممنهجا ووحشيا، وشُرد الملايين من منازلهم”.
مستقبل مجهول
يقول حنفي عبد الوهاب، وهو أب لثمانية أبناء في مراحل دراسية مختلفة، لـ”دروب” إن مستقبل أطفاله أصبح مهددًا بسبب عدم قدرته على توفير متطلبات الدراسة إلى جانب الغذاء، لافتًا إلى أن أسرته باتت تكتفي بوجبة واحدة يوميًا.
حذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في يناير الماضي من أن أكثر من 8 ملايين طفل في السودان حُرموا من التعليم بعد ثلاث سنوات من الصراع، مؤكدة أن ذلك يهدد بضياع جيل كامل ويضع مستقبل البلاد على المحك.
في القطاع الزراعي، أعرب مزارعون لـ”دروب” عن قلقهم من فشل الموسم الصيفي المرتقب في منتصف مايو، بسبب الارتفاع الكبير في تكاليف الإنتاج، خاصة المحروقات.
يقول المزارع بمشروع حلفا الجديدة محمد إبراهيم صالحين لـ”دروب” إن تكلفة تحضير خمسة أفدنة من القمح في الموسم الشتوي الماضي بلغت نحو 1,100,000 جنيه، باستثناء التقاوي والأسمدة التي تتجاوز مليون جنيه، متوقعًا ارتفاع تكاليف الموسم الصيفي بنسبة تتراوح بين 70% و90%.
ويحذر مزارعون من أن فشل الموسم لن يقتصر أثره على الإنتاج الزراعي، بل سيمتد إلى تفاقم الأزمة المعيشية، خاصة أن نحو 70% من سكان المشروع يعتمدون على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل.
يقول المزارع محمد أحمد سليمان إن “الوضع يتجه بسرعة نحو المجاعة”، موضحًا أن عائدات الزراعة تمثل مصدرًا أساسيًا لتأمين الغذاء وتغطية تكاليف التعليم والعلاج.
ويضيف أن تكلفة زراعة خمسة أفدنة في السنوات الأولى للحرب لم تكن تتجاوز 250 ألف جنيه، مع عائد مجزٍ، وهو ما مكّن المزارعين من الصمود نسبيًا، قبل أن تتفاقم الأوضاع إلى مستويات غير مسبوقة.
ارتفاع معدلات الفقر
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي د. هيثم محمد فتحي، في تصريح لـ“دروب”، إن معدلات الفقر في السودان تضاعفت منذ اندلاع الحرب لتبلغ نحو 70% على المستوى العام، فيما تجاوزت 75% في دارفور وكردفان، ما يعكس اتساع رقعة الأزمة المعيشية.
وأوضح أن الاقتصاد السوداني تلقى ضربات قاسية، أبرزها تراجع عائدات النفط بأكثر من 50%، وتضرر مصفاة الخرطوم، إلى جانب الانخفاض الحاد في قيمة العملة المحلية، حيث ارتفع سعر صرف الدولار من نحو 600 جنيه قبل الحرب إلى نحو 4100 جنيه في أبريل 2026، الأمر الذي أدى إلى تفاقم معدلات التضخم وتآكل القدرة الشرائية.
وأشار فتحي إلى أن ضعف ارتباط الاقتصاد السوداني بالاقتصاد العالمي حدّ من تأثره بالأزمات الخارجية، مقارنة بالأزمات الداخلية، لكنه رأى في التحولات الاقتصادية العالمية فرصة محتملة للنمو، شريطة تبني سياسات فعالة.
ودعا إلى وضع خطط طموحة لإعادة الإعمار، مع التركيز على جذب الاستثمارات الوطنية، وتهيئة بيئة استثمارية قائمة على الشفافية، وإصلاح القوانين، وإنشاء نافذة موحدة لتسهيل الإجراءات، إلى جانب مكافحة الفساد وتعزيز الرقابة.
كما شدد على ضرورة تقديم حوافز استثنائية للمستثمرين، تشمل إعفاءات ضريبية وربط الجبايات بالإنتاج الفعلي، وتحويل دور الدولة من الجباية إلى التحفيز، فضلًا عن إنشاء مدن صناعية متكاملة وتوطين الصناعات التحويلية لزيادة القيمة المضافة للموارد المحلية.
وأشار إلى أن السودان خسر نحو 6.4 مليارات دولار من ناتجه المحلي الإجمالي خلال عام 2023 وحده، في مؤشر على حجم الخسائر الاقتصادية التي خلفتها الحرب.



