أصدقاء دروب

هل تخفف الإعانات الإنسانية معاناة السودانيين أم تحافظ على استمرارها؟

محمد ودالسك

في 12 يناير 2026، وبعد مرور أكثر من ألف يوم على اندلاع الحرب في السودان (15 أبريل 2023)، يُصنف الوضع الإنساني في البلاد كـأكبر أزمة نزوح وجوع في العالم، مع أكثر من 33.7 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة (نصف السكان تقريباً)، منهم ملايين لاجئين ونازحين داخلياً وفي دول الجوار (تشاد،أوغندا،جنوب السودان، مصر، إثيوبيا).

وأصبحت الإعانات الإنسانية – الغذائية، الطبية، النقدية، والحماية –  محور نقاش حاد،هل هي منقذة للحياة في مواجهة المجاعة والموت الجماعي، أم أنها في سياقات معينة تُساهم في تعميق التبعية وإطالة أمد المعاناة؟

الإنقاذ كحقيقة لا تقبل الجدل

لا يمكن إنكار أن الإعانات أنقذت حياة ملايين في السودان خلال السنوات الثلاث الماضية.وتؤكد تقارير IPC (تصنيف الأمن الغذائي المتكامل) استمرار المجاعة (Phase 5) في مناطق مثل الفاشر بولاية شمال دارفور وكادقلي بولاية جنوب كردفان حتى يناير 2026، مع معدلات سوء تغذية حاد غير مسبوقة بين الأطفال تصل في بعض التقييمات إلى أعلى مستويات مسجلة في التاريخ الحديث.

كما أن برنامج الغذاء العالمي (WFP)، منظمة الهجرة الدولية (IOM)، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) وصلوا إلى ملايين من خلال توزيع الغذاء، الرعاية الطبية، والمأوى المؤقت، خاصة في مخيمات اللاجئين في تشاد (حوالي 870 ألف لاجئ سوداني) وجنوب السودان.

بدون هذه الإعانات، كانت الخسائر البشرية ستتضاعف بشكل كارثي، كما حدث في فترات انقطاع الوصول مثل حصار الفاشر الذي منع القوافل لأشهر، مما أجبر مئات الآلاف على الفرار.

رغم أن الإنقاذ الفوري حقيقي ولا يُنازع، لكنه مشروط بشدة.تظل الإعانات فعالة فقط طالما تستمر التدفقات، وفي 2025–2026 شهدت انخفاضاً حاداً في التمويل (خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2025 ممولة بنسبة 25–36% فقط، وخطة 2026 تطلب 23 مليار دولار عالمياً لكنها تواجه خيارات قاسية بسبب تقليص المانحين الكبار، خاصة الولايات المتحدة تحت إدارة ترامب.

هل تُنتج الإعانات معاناة ممتدة؟

النقد الأكاديمي والميداني القديم منذ عقود في حالات رواندا، الصومال، جنوب السودان، يعود بقوة في سياق السودان حيث الإعانات قد تخلق دورة تبعية (dependency cycle) تطيل الأزمة بدلاً من حلها.

والمتابع لأوضاع المخيمات (مثل تلك في شرق تشاد،أوغندا أو جنوب السودان) أن التوزيع المستمر للغذاء المجاني يُضعف الأسواق المحلية و يقلل الحافز للعمل أو الزراعة كمايمنع بناء سبل عيش مستدامة.وأظهرت دراسات سابقة في جنوب السودان (2021–2022)  أن التوزيع الطويل الأمد يؤدي إلى تآكل القدرات الذاتية، خاصة عندما يُمنع اللاجئون من العمل أو التنقل بحرية.

وفي السودان نفسه تصبح الإعانات بديلاً عن الدولة في مناطق النزاع، مما يُقلل الضغط على أطراف الصراع لتقديم خدمات أو التفاوض على سلام.وتشير تقارير إلى أن بعض الفصائل تستخدم الإغاثة كأداة سياسية (نهب المساعدات، عرقلة الوصول للمناطق المعادية، أو السماح بها مقابل مكاسب).

في تشاد وجنوب السودان، يزيد الضغط على الموارد المحدودة توترات اجتماعية، مما يُولد عنفاً محلياً جديداً أو يُعيق الاندماج.

لكن بصورة دقيقة أن التبعية ليست ناتجة عن الإعانات بحد ذاتها، بل عن غياب الاستراتيجية الانتقالية. عندما تكون الإغاثة طارئة فقط (قصيرة الأجل، بدون تدريب مهني، دعم زراعي، أو برامج تعافي اقتصادي)، تتحول إلى مسكن يُعيد إنتاج الفقر والضعف.

و السبب الرئيسي لاستمرار المعاناة استمرار النزاع بالإضافة إلى عرقلة الوصول (أكثر من 110 عامل إغاثة قُتلوا أو أُصيبوا أو اختطفوا) و تقليص التمويل و القيود البيروقراطية من كلا الطرفين (الجيش والدعم السريع يعرقلان القوافل لأسباب سياسية/عسكرية).

الإعانات كجزء من نظام إنساني معيب

معلوم أن الإعانات ليست محايدة وهي تتأثر بأولويات المانحين (أوكرانيا، غزة، ميانمار تتنافس على التمويل نفسه). تقليص الدعم الأمريكي والأوروبي في 2025–2026 جعل الإغاثة تنافسية، مما يُعمق التبعية لأن الحلول المستدامة تحتاج تمويلاً طويل الأجل.

المنظمات الإنسانية ملتزمة بمبادئ الحياد، لكن في نزاع مُسلح مثل السودان، يصبح الحياد وهماً عندما يستخدم الطرفان الإغاثة كسلاح (عرقلة، نهب، استهداف). وهو مايُحول الإعانات إلى عنصر يُطيل الصراع بدلاً من إنهائه.

من منظور ما بعد استعماري يرى الإغاثة كامتداد للسيطرة الخارجية التي تُبقي الشعوب في حالة ضحية تحتاج إنقاذاً دائماً، بدلاً من تمكينها سياسياً واقتصادياً.

وترى أنها تمثل توازن هش بين الإنقاذ والإعادة الإنتاج

ورغم أن الإعانات تخفف المعاناة بشكل حاسم وفوري إلى حد ما– بدونها، كانت المجاعة ستقتل ملايين إضافيين.

لكنها تحافظ وأحياناً تُعمق لكن استمرار المعاناة عندما تظل معزولة عن أي حل سياسي يوقف النزاع.

أو برامج انتقالية تحول الإغاثة إلى تعافٍ (سبل عيش، تعليم، اندماج).

تمويل مستدام ووصول آمن غير مشروط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى