أصدقاء دروب

دعوة للعدالة والكرامة: تأييد منسق النازحين واللاجئين في السودان

بقلم : عبدالماجد الطاهر محمد احمد (صمت القبور)

في قلب المخيمات، حيث تختلط رائحة التراب بالذكريات الموجعة، يعيش آلاف الضحايا ذكريات الحروب التي مزقت حياتهم ومجتمعاتهم. إنهم ليسوا مجرد أرقام أو إحصاءات، بل بشر يحملون جراحًا عميقة فقدوا فيها منازلهم وأحباءهم وأمانهم، وقد طال انتظارهم لمساءلة من تسبب لهم بالدمار. وفي هذا السياق، يمثل القرار التاريخي للمحكمة الجنائية الدولية بإدانة علي محمد علي عبد الرحمن المعروف باسم “علي كوشيب”، المسؤول عن ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، رسالة قوية بأن العدالة لا تموت، وأن أصوات الضحايا يجب أن تُسمع وتُحترم.

لقد ظل الإفلات من العقاب جزءًا من واقع الضحايا، وزاد من شعورهم بالغبن والظلم، غير أن هذا الحكم يشكل بارقة أمل لكل من فقد كل شيء، ويؤكد أن العدالة ممكنة حين تتحد إرادة الضحايا مع المجتمع الدولي، وأن القانون الدولي قادر على محاسبة كل من يرفع السلاح ضد المدنيين. منذ اندلاع النزاع في دارفور عام 2003، شهد الإقليم موجات عنف طالت المدنيين بلا رحمة، قتل خلالها الآلاف وتهجر الملايين إلى المخيمات الداخلية والخارجية، وتعرض المدنيون للاغتصاب والتعذيب والنهب والتشريد القسري. لقد عاش الضحايا سنوات طويلة من الألم والصمت الدولي، ومرت عليهم أيام وظلوا خلالها يراقبون الإفلات من العقاب مستمرًا، لكن اليوم، يحملون معهم شعورًا متجددًا بأن العدالة قد بدأت طريقها لتحقيق مطالبهم المشروعة.

في المخيمات، تبدو الحياة اليومية صعبة للغاية. الخيام المتهالكة تكاد لا تحمي من حرارة الشمس أو برد الليل، والمياه محدودة والطعام غير كافٍ. هنا، يعيش الأطفال على وجبات ناقصة ويحلمون بالعودة إلى مدارسهم، ويحملون دفاتر ممزقة وأقلامًا بالية، لكنهم يصرون على التعلم، رغم كل ما فقدوه. تحكي النساء قصص فقد الأحبة، والرجال يسردون قصص الخوف والهروب من الموت، والجميع يشارك في هذه الحياة اليومية الصعبة شعورًا مشتركًا بالحنين إلى السلام والأمان، ورغبة لا تفارقهم في استعادة حقوقهم المسلوبة.

في هذه اللحظة التاريخية، يمثل حكم المحكمة الجنائية الدولية بارقة أمل حقيقية لكل من فقد كل شيء، إذ يرمز إلى بداية النهاية للإفلات من العقاب، ويؤكد أن العدالة ليست مجرد فكرة، بل عملية ملموسة يمكن للضحايا المشاركة فيها. استجابة لهذا الحكم، دعا منسق النازحين واللاجئين إلى مظاهرات سلمية داخل المخيمات وفي المدن، للتأكيد على دعم القرار، والمطالبة بتسليم بقية المطلوبين للعدالة، وعلى رأسهم البشير وعبد الرحيم محمد حسين وأحمد محمد هارون……الخ. إن هذه الدعوة ليست مجرد احتجاج رمزي، بل هي تعبير مباشر عن رغبة الضحايا في استعادة كرامتهم وحقوقهم المسلوبة، وإيصال رسالة للعالم بأنهم موجودون، ولن يقبلوا بالتهاون مع من تسبب لهم بالألم والمعاناة.

إن المشاركة في هذه المظاهرات السلمية تعكس وعي الضحايا بأن طريق العدالة لا يكون بالعنف، بل بالتمسك بالقانون والحقوق، وإظهار قوة إرادتهم الجماعية في مواجهة الإفلات من العقاب. إنها فرصة ليقف الضحايا متحدين، ويثبتوا للعالم أن أصواتهم مسموعة، وأن حياتهم وكرامتهم لا يمكن التنازل عنها. في كل زاوية من المخيمات، يتحدث الرجال عن فقدان أراضيهم ومزارعهم، بينما تحكي النساء عن الهجمات التي أزهقت أرواح أطفالهن، ويقف الشباب متحدين على أمل أن يرى أطفالهم مستقبلاً مختلفًا عن حياتهم الممزقة، ومستقبلاً يخلو من الخوف والتهجير.

تتجسد أهمية هذه المظاهرات في أكثر من بعد، فهي تمنح الضحايا شعورًا بالتمكين، وتعيد إليهم الإحساس بالكرامة والإنسانية بعد سنوات من القهر والتهجير. كما أنها تمثل أداة ضغط على الحكومات والمؤسسات الدولية لمواصلة دعم التحقيقات وتسريع إجراءات تسليم المطلوبين وتعزيز فعالية المحكمة الجنائية الدولية. وعندما يقف الضحايا متحدين، فإنهم يرسلون رسالة واضحة لكل من حاول تجاهل معاناتهم بأن أصواتهم مسموعة وأن العدالة لا يمكن تجاهلها أو تأجيلها.

في هذه اللحظات، يتجلى البعد الإنساني للعدالة، إذ لا يتعلق الأمر فقط بمعاقبة من ارتكب الجرائم، بل بإعادة الاعتبار للحياة الكريمة للضحايا، وإعطائهم الحق في أن يشعروا بالأمان والأمل، وهو حق أساسي كان قد انتزع منهم. كل مظاهرة سلمية، وكل صوت يُرفع باسم الضحايا، هو شهادة على الصمود والإصرار على عدم نسيان المعاناة، وعلى عدم السماح للظلم بأن يصبح أمرًا اعتياديًا.

لقد رحبت منظمات حقوق الإنسان الدولية بالحكم، معتبرةً إياه خطوة أولى نحو محاسبة كل من تورطوا في جرائم دارفور، ودعت إلى توسيع ولاية المحكمة لتشمل كافة الانتهاكات في السودان، وهو ما يمثل دعمًا عمليًا للضحايا ويمنحهم الأمل بأن العدالة ستشمل الجميع بلا استثناء، وأن كل من ارتكب جريمة سيواجه القانون عاجلًا أم آجلًا.

إن تأييد ودعم دعوة منسق النازحين واللاجئين في السودان هو تجسيد لإرادة الضحايا في مواجهة سنوات طويلة من الظلم والإهمال. إنها دعوة للكرامة، للحق، وللعدالة الدولية، ووسيلة لإظهار أن الضحايا ليسوا مكتوفي الأيدي، بل هم جزء فعال من صناعة المستقبل. المظاهرات السلمية المزمع تنظيمها ليست احتجاجًا عابرًا، بل بيان قوة الضحايا ومطالبهم المشروعة، وإعلان للعالم بأنهم لن يقبلوا بالظلم، ولن يتوقفوا عن المطالبة بحقوقهم مهما طال الزمن.

اليوم، يقف الضحايا متحدين، حاملين شعلة العدالة، ليكتبوا التاريخ بأيديهم، ويؤكدوا أن العدالة ممكنة حين تتحد إرادة الضحايا مع القانون والمجتمع الدولي، وأن صوت الضحية مهما طال صمته سيظل حاضرًا لا يُمحى، وأن كرامتهم الإنسانية تستحق أن تُستعاد بعد سنوات طويلة من الألم والمعاناة. إن هذه اللحظة التاريخية ليست مجرد حكم قضائي، بل إعلان حي بأن العدالة والكرامة هما حق لكل من عانى النزوح والتهجير، وأن العالم مطالب بالاستماع لأصوات الضحايا والعمل على تحقيق مطالبهم المشروعة.

وفي كل زاوية من المخيمات، حيث يجلس الأطفال على الأرض ممسكين بدفاترهم الممزقة ويحلمون بالعودة إلى مدارسهم، يجد الضحايا في هذا الحكم دافعًا لمواصلة الحياة، والإيمان بأن العدالة قادرة على تغيير الواقع. فالعدالة ليست هدفًا بعيدًا، بل عملية مستمرة تحتاج إلى تضافر الجهود، وتستدعي مشاركة الضحايا في كل خطوة لضمان أن صوتهم يبقى مسموعًا، وأن حقوقهم الإنسانية والسياسية والاجتماعية ستظل محور الاهتمام الدولي والمحلي.

إن هذه الدعوة إلى العدالة والكرامة، التي يقودها منسق النازحين واللاجئين، هي أكثر من مجرد تحرك سياسي أو حقوقي، إنها حركة إنسانية صادقة، تؤكد أن من عانى يجب أن يكون في قلب كل قرار يخص حياته ومستقبله، وأن العدالة الحقيقية لا تتحقق إلا بتمكين الضحايا وإعطائهم المساحة للتعبير عن أنفسهم ومطالبهم المشروعة. وبين صوت الصغار والكبار، وبين الصمت الذي يخفي دموع الأم، وبين ضحكات الأطفال النادرة التي تلوح في أفق المخيمات، ينبض أمل العدالة والكرامة في قلب كل من تجرأ على الحلم بغد أفضل، ليعيش يومًا يحكم فيه الحق على الظلم، ولترتسم صورة السودان الذي يستحق السلام والعدالة لكل ضحاياه.

بتاريخ: 13أكتوبر2025م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى