أصدقاء دروب

بين إرث إدريس ديبي وحسابات الحاضر: لماذا تتزايد الشكوك حول موقف محمد كاكا؟

كتب – مهندس حسين تيمان

تتزايد في الآونة الأخيرة الأسئلة حول موقف الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي “كاكا” من الحرب الدائرة في السودان، وحول طبيعة التموضع السياسي والأمني لنجامينا إزاء الصراع المعقد في دارفور، خاصة في ظل الاتهامات المتكررة التي تربط بين دوائر إقليمية مختلفة وبين القوى المتهمة بارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين. وهذه الأسئلة لا تأتي من فراغ، بل تستند إلى تاريخ طويل من التداخل الاجتماعي والعسكري والسياسي بين تشاد والسودان، يجعل من الصعب النظر إلى ما يجري بوصفه شأناً خارجياً بعيداً عن الداخل التشادي.

فالعلاقة بين تشاد ودارفور لم تكن يوماً علاقة جوار عادي بين دولتين، بل ظلّت محكومة بروابط قبلية ومجتمعية عميقة، وبخاصة في ما يتعلق بالزغاوة الذين يشكلون امتداداً بشرياً وتاريخياً عابراً للحدود. ومن هنا، فإن أي موقف سياسي أو أمني يُفهم على أنه تقارب مع الجنجويد، أو تساهل مع أدوارهم في الحرب السودانية، يُنظر إليه داخل قطاعات واسعة بوصفه موقفاً يثير الريبة، ليس فقط بسبب الطبيعة الدموية لهذا الصراع، وإنما أيضاً بسبب ما يحمله من دلالات تمس عمق التوازنات الاجتماعية في تشاد نفسها.

وتنبع حساسية هذا الملف من حقيقة أن السلطة في تشاد، خلال عهد الرئيس الراحل إدريس ديبي، لم تكن منفصلة عن البنية الاجتماعية والعسكرية التي كان للزغاوة حضور بارز فيها. فقد لعب أبناء الزغاوة أدواراً مؤثرة في معادلة الحكم، وفي حماية النظام، وفي تثبيت مؤسسات الدولة خلال فترات شديدة التعقيد. ولذلك فإن أي إشارات سياسية توحي بتجاهل هذا الإرث، أو بالتقاطع مع قوى متهمة باستهداف مجتمعات دارفور، تُقرأ باعتبارها خروجاً مقلقاً على التوازنات التي تشكلت عليها السلطة نفسها.

كما أن الحرب في السودان لا يمكن التعامل معها بمنطق العزل الجغرافي، لأن ارتداداتها تتجاوز الحدود الرسمية بسرعة، خصوصاً في منطقة تتداخل فيها الروابط الأهلية مع الحسابات الأمنية. ولهذا فإن أي تموضع تشادي يُنظر إليه باعتباره انحيازاً ضد الزغاوة، أو ضد المجتمعات المتضررة من عنف الجنجويد، لن يبقى مجرد خيار في السياسة الخارجية، بل قد يتحول إلى عامل توتر داخل البيئة الداخلية التشادية، بما يحمله ذلك من آثار على الثقة والاستقرار.

ويزداد هذا القلق في ظل شعور متنامٍ بأن المنطقة تشهد إعادة ترتيب لتحالفاتها وفق اعتبارات المال والنفوذ والدعم الخارجي، لا وفق مقتضيات الاستقرار طويل المدى. وفي مثل هذا المناخ، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت حسابات البقاء في السلطة تدفع بعض الأنظمة إلى تقديم تنازلات خطيرة على مستوى الذاكرة الاجتماعية والروابط التاريخية. كما يصبح من المشروع أيضاً التساؤل حول مدى إدراك القيادة التشادية لحجم الحساسية التي يثيرها أي غموض في موقفها من الحرب في السودان.

إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط طبيعة الاصطفافات الإقليمية، بل ما قد يترتب عليها داخلياً إذا شعرت قوى اجتماعية وازنة بأن السلطة لم تعد تعبّر عن توازناتها التقليدية، أو أنها باتت مستعدة للتضحية بها في سبيل تفاهمات ظرفية. فالدول في مثل هذه البيئات لا تستند إلى القوة العسكرية وحدها، بل أيضاً إلى الشعور العام بالشراكة، وإلى احترام الإرث السياسي والاجتماعي الذي قامت عليه.

من هنا، فإن تصاعد الشكوك حول موقف محمد كاكا لا ينبغي النظر إليه على أنه مجرد ضجيج سياسي عابر، بل بوصفه مؤشراً على أزمة ثقة آخذة في التشكل بين السلطة وبعض مكوناتها التاريخية والاجتماعية. وهذه الأزمة، إذا لم تُواجَه بالوضوح والمسؤولية، قد تتحول في المستقبل إلى عامل إضافي من عوامل الهشاشة في بلد يقع أصلاً في قلب إقليم مضطرب.

إن المطلوب اليوم من نجامينا هو قدر أكبر من الشفافية في تحديد موقفها من الحرب في السودان، ومن القوى المتورطة فيها، لأن الغموض في مثل هذه الملفات لا يحمي الدول، بل يضاعف الشكوك حولها. كما أن المطلوب من النخب التشادية، وخاصة داخل المكونات ذات الامتداد الحدودي، أن تطرح هذه الأسئلة بقدر من الوعي والمسؤولية، دفاعاً عن الاستقرار، لا خدمةً للاستقطاب.

في النهاية، يبقى السؤال قائماً: هل يستطيع محمد كاكا إدارة الحاضر بمعزل عن إرث والده وتوازناته، أم أن تجاهل هذا الإرث قد يفتح الباب أمام تصدعات لا تستطيع السلطة احتواءها لاحقاً؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى