أصدقاء دروب

التصعيد في حرب السودان.. كردفان من عمق هادئ إلى ساحة مواجهات عسكرية

محمد ودالسك/ كاتب المقال

مع دخول الحرب الأهلية السودانية عامها الرابع في يناير 2026، تحول إقليم كردفان من منطقة استراتيجية هادئة نسبياً إلى ساحة مواجهات دموية، حيث يتنافس الجيش السوداني (القوات المسلحة السودانية – SAF) ومليشيا الدعم السريع (RSF) على السيطرة على الموارد الطبيعية، الطرق اللوجستية، والمناطق الزراعية الخصبة. كردفان، الذي يشمل ولايات شمال وجنوب وغرب كردفان، كان تاريخياً عمقاً استراتيجياً يربط الخرطوم بغرب السودان (دارفور) وجنوبه، لكنه أصبح الآن مركز ثقل الصراع بعد سيطرة RSF على معظم دارفور في أكتوبر 2025. هذا التصعيد أدى إلى قتل آلاف المدنيين، نزوح عشرات الآلاف، ومجاعة مؤكدة في مدن مثل كادوقلي والدلنج، وسط تدخلات إقليمية ودولية تُعقد المشهد. يعتمد هذا المقال على تقارير حديثة من منظمات دولية ووسائل إعلام موثوقة لتحليل كيف تحول كردفان إلى جبهة حاسمة قد تحدد مسار الحرب.

 كردفان كعمق هادئ قبل التصعيد

قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023، كان كردفان يُعتبر عمقاً هادئاً نسبياً، رغم تاريخه المليء بالنزاعات القبلية والمتمردة. يمتد الإقليم على مساحة تزيد عن 380 ألف كيلومتر مربع، ويشمل جبال النوبة الخصبة جنوباً، والصحاري الرملية شمالاً، مع موارد نفطية حيوية مثل حقل هجليج الذي ينتج نحو 50 ألف برميل يومياً، وطرق تجارية تربط السودان بجنوب السودان وتشاد. تاريخياً، شهد كردفان نزاعات منذ الحرب الأهلية الثانية (1983-2005)، حيث كانت جبال النوبة معقلاً للحركة الشعبية لتحرير السودان (SPLM)، ثم اندلعت مواجهات في 2011 بعد انفصال الجنوب، مما أدى إلى قصف جوي مكثف من حكومة الإنقاذ آنذاك ونزوح ملايين.

مع بداية الحرب الحالية، بقي كردفان هامشياً مقارنة بالخرطوم ودارفور، حيث ركز الجيش على الدفاع عن العاصمة، بينما سيطرت RSF على غرب السودان. ومع ذلك، بدأ التصعيد التدريجي في 2025، مع هجمات RSF على مدن مثل الدلنج وكادوقلي في جنوب كردفان، مدعومة بتحالف مع SPLM-N بقيادة عبد العزيز الحلو، الذي يسيطر على أجزاء من جبال النوبة. هذا التحالف غير التوازن، حيث استخدمت RSF طائرات مسيرة (دروونات) لضرب قواعد الجيش، بينما رد الجيش بهجمات جوية مكثفة. بحلول نوفمبر 2025، أصبح كردفان “المركز الجديد للصراع”، كما وصفته منظمة الأزمات الدولية، بعد سقوط الفاشر في دارفور، مما دفع RSF شرقاً نحو الإقليم لقطع إمدادات الجيش.

 من الهجمات المتفرقة إلى الحصار الشامل

بدأ التصعيد الفعلي في أكتوبر 2025، مع إستعادة سيطرة RSF على مدينة بارا في شمال كردفان، وهي عقدة مرور رئيسية تربط وسط السودان بدارفور، بعد أن استعادها الجيش مؤقتاً في سبتمبر. تلت ذلك عمليات حصار لمدن رئيسية مثل كادوقلي (عاصمة جنوب كردفان) والدلنج، حيث فرضت RSF حصاراً محكماً، كما وصفته الأمم المتحدة، مما أدى إلى نقص غذائي حاد وموت عشرات المدنيين جوعاً.

وفي نوفمبر، كثفت RSF هجماتها في غرب كردفان، محاصرة بابنوسة، آخر معاقل الجيش في الغرب، وسط اشتباكات عنيفة أدت إلى سيطرتها على المدينة في ديسمبر 2025، رغم إنكار الجيش في البداية.

أبرز التصعيد في ديسمبر 2025 كان سيطرة RSF على حقل هجليج النفطي في 8 ديسمبر، أكبر حقول السودان، مما أجبر الجيش على الانسحاب نحو جنوب السودان، وأدى إلى اتفاق ثلاثي (SAF، RSF، قوات جنوب السودان) لتحييد الحقل. كما استخدمت RSF طائرات مسيرة لضرب أهداف مدنية، مثل هجوم 4 ديسمبر على روضة أطفال ومستشفى في كلوقي، قتل 114 شخصاً بينهم 63 طفلاً، وهجوم آخر في 13 ديسمبر قتل 6 حفظة سلام أمميين من بنغلاديش في قاعدة كادوقلي. رد الجيش بقصف جوي مكثف، بما في ذلك هجوم في 10 ديسمبر على حقل هجليج، وقتل مستشار أمني رفيع لـRSF في دارفور في يناير.

في يناير 2026، استمر التصعيد مع تقدم الجيش في جنوب كردفان، حيث استعاد مدن مثل كازقيل والحمادي، وضيق الخناق على RSF في الدلنج، وسط انسحابات لـRSF في بعض المناطق. كما أبلغت تقارير عن اشتباكات واسعة في الإقليم بأكمله، مع تحالف “تاسيس” بين RSF وSPLM-N ضد الجيش.

 التدخلات الخارجية والتحالفات الميدانية: عوامل تعزيز التصعيد

ساهم التدخل الخارجي في تصعيد كردفان، حيث ثبت بالأدلة التي نوقشت في اجتماعات مجلس الأمن بالأمم المتحدة في جلسات خاصة بملف السودان دعم القيادة الليبية جناح حفتر والإمارات بدعم RSF بطائرات مسيرة وصواريخ وتوليها الدعم اللوجستي منذ بداية الحرب، بما في ذلك صواريخ FK-2000 الصينية المستخدمة في إسقاط طائرة عسكرية في نوفمبر بينما تتهم مصر إريتريا وإيران بتزويد الجيش بمعدات. على الأرض، يعتمد RSF على تحالف مع SPLM-N، الذي يسيطر على أجزاء من جبال النوبة ويشن هجمات مشتركة على كادوقلي والدلنج، مما أدى إلى خط تماس يشبه الحدود، ويهدد بتقسيم السودان. أدى ذلك إلى اشتباكات عرقية، مع اتهامات لـRSF بقتل مدنيين في قرى بورنو في ديسمبر وكل المناطق التي اقتحمها.

  كارثة تتجاوز الجبهات العسكرية

أدى التصعيد إلى كارثة إنسانية، مع نزوح 117 مليون شخص عالمياً بحلول 2025، جزء كبير في كردفان، ومجاعة في 20 منطقة بما في ذلك كادوقلي والفاشر بحلول يناير. قتل مئات المدنيين في هجمات طائرات مسيرة. مستقبلاً، قد يؤدي التصعيد إلى تقسيم دائم، لكن فرص السلام تكمن في هدنة إنسانية ومفاوضات معقدة ، وسط ضغط أمريكي تحت إدارة ترامب. بدون ذلك، سيظل كردفان ساحة فوضى تهدد المنطقة بأكملها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى