منذ استقلال السودان السياسة العاجزة التي صنعت حكم العسكر

عبدالمنعم العمرابي
الوخز بالإبر
من استقلال بلا مشروع إلى حرب بلا دولة لماذا يتكرر الانهيار
بعد سبعين عاماً من استقلال السودان لم يعد السؤال من يحكم بل لماذا فشلت الدولة كلما تغيّر الحاكم..؟ الجيش حكم ما يقارب ستة وخمسين عاماً من أصل سبعين لكن هذا الرقم وحده لا يفسر الانهيار فالعسكر لم يسقطوا من السماء بل صعدوا على أكتاف سياسة ضعيفة وأحزاب عاجزة المشكلة لم تكن فقط في من استولى على السلطة بل في من فرّغها من معناها قبل أن تُختطف بالقوة…
وخزة عميقة
الاستقلال الذي وُلد بلا دولة
في عام 1956 نال السودان استقلاله السياسي لكنه لم يؤسس دولة حديثة الأحزاب التي تصدّرت المشهد كانت ضعيفة التنظيم أسيرة الطائفية والولاءات الضيقة بلا برامج وطنية ولا تصور لإدارة التنوع المعقّد دخلت الحكم بعقلية الغنيمة لا بعقلية الدولة فكان الخلل تأسيسياً منذ اللحظة الأولى
وخزة نازفة
أربع عشرة سنة مدنية بلا حماية
من أصل سبعين عاماً لم تحكم القوى المدنية سوى أربع عشرة سنة متقطعة
ثلاث فترات قصيرة انهكتها الصراعات الحزبية وحكومات ائتلافية مشلولة
وبرلمانات منشغلة بإسقاط الحكومات لا ببناء المؤسسات لم تُبنَ دولة
ولم تُرسخ ديمقراطية
وبقي الحكم المدني هشاً بلا مخالب تحميه
وخزة سامة
حين استدعت الأحزاب الجيش إلى السياسة
أخطر خطايا الأحزاب السودانية لم تكن ضعفها فقط بل استدعاء الجيش كأداة في صراعاتها مرة بحجة إنقاذ البلاد ومرة لترجيح كفة سياسية
بهذا السلوك جرى تطبيع تدخل العسكر حتى تحول من استثناء إلى قاعدة
ومن طارئ إلى وصي دائم على الدولة
وخزة قاتلة
الحقب العسكرية الثلاث الفشل حين يتحول إلى نظام
فترةعبود
حكم إداري صامت قمع للحريات وتجاهل لأزمة الجنوب سقط بثورة دون أن يترك دولة أقوى
فترة نميري
انتقل من شعارات ثورية إلى استبداد فردي سيّس الدولة ودمّر الخدمة المدنية قفزت الديون الخارجية إلى أكثر من تسعة مليارات دولار
واشتعلت الحرب الأهلية
وسقط النظام تاركاً دولة أضعف….
فترةالإنقاذ
مشروع تفكيك شامل
عسكرة السياسة تجريف المجتمع وتحويل الدولة إلى غنيمة منظمة
وخزة مسمومة
اقتصاد العسكر حين تتحول الدولة إلى شركة
في عهد الإنقاذ تمددت المؤسسة العسكرية والأمنية في الاقتصاد
وسيطر العسكر على معظم صادرات الذهب وعلى شركات الزراعة والصناعة والنقل بعيداً عن وزارة المالية والرقابة
بعد 2019 أكدت تقارير رسمية أن نحو سبعين في المئة من الاقتصاد كان خارج سيطرة الدولة
وهو ما جعل أي انتقال مدني بلا أدوات حقيقية
وخزة متقيّحة
تمزيق الأحزاب وإفراغ السياسة
عملت السلطة العسكرية على تفكيك الأحزاب
زرع الانقسامات شراء القيادات وتشويه العمل السياسي حتى صار المواطن يرى السياسة عبئاً
والحزبية فشلاً والعسكر خياراً أقل سوءاً وهكذا صُنع الفراغ الذي عاد منه العسكر في كل مرة
وخزة مكشوفة
ما بعد 2019 حين عاد العسكر من نافذة الانتقال
سقوط نظام الإنقاذ في 2019 لم يكن قطيعة مع الحكم العسكري بل إعادة تموضع له خرج العسكر من الواجهة لكنهم بقوا في عمق الدولة القوى المدنية دخلت المرحلة الانتقالية بلا وحدة سياسية وبلا برنامج متفق عليه وغارقة في محاصصات وصراعات مبكرة بدلاً من تفكيك بنية الدولة العسكرية جرى التعايش معها ثم التنازل لها ثم الارتهان لتوازنات مختلة فضاعت لحظة تاريخية نادرة وعاد العسكر عبر الانقلاب لا كطارئ
بل كنتيجة طبيعية لفشل السياسة مرة أخرى
وخزة أخيرة
المسؤولية مشتركة لكنها غير متساوية
العسكر حكموا طويلاً وأفسدوا أكثر لكنهم لم يحكموا فراغاً الأحزاب السياسية بضعفها
وانقساماتها واستدعائها للعسكر هي التي أفقدت السياسة معناها ومهّدت الطريق لحكم البندقية
المسؤولية مشتركة في النتيجة لكنها غير متساوية في الجذور سبعون عاماً من الفشل يجب أن تكون كافية ليس لتبادل الاتهام
بل لفهم أن لا دولة بلا سياسة ناضجة ولا حكم مدني بلا أحزاب قوية
ولا مستقبل للسودان إن تكرر الخطأ ذاته بأسماء جديد…



