أصدقاء دروب

نحو قرنٍ إفريقيٍّ جديد

د. النور حمد

عبر انقلاب الفريق البرهان على الوثيقة الدستورية في 25 أكتوبر 2021، وعبر هذه الحرب الخبيثة التي أشعلها بالتنسيق مع الإخوان المسلمين في 15 أبريل 2023، استعاد الإخوان المسلمون وجيشهم كامل سلطتهم، لكن على غير ما كانوا يأملون. فقد تقلَّصت سلطتهم وانحصرت جغرافيًّا في المنطقة الواقعة، بين ساحل البحر الأحمر، والحدود الغربية لكل من إريتريا وإثيوبيا، وبين مجرى نهر النيل. فالحرب التي أشعلوها لم تؤت أُكُلَها، كما كانوا يأملون وتكشَّف، منذ بدايتها، خُرق ورعونة الخطة التي وقفت وراءها، وبان طيشها وبؤس حساباتها. فلم تمض سوى أسابيع قليلة على بدايتها حتى تقهقرت قوات الجيش وكتائب الجهاديين المتطرفين، التابعة له، لتتمترس في الخنادق داخل المعسكرات. وتحوَّل الجيش الإخواني وكتائب المتطرفين الداعشيين التابعين له إلى مدافعين، رغم أنهم هم الذين بدأوا الحرب، بل وبدأوها بغتةً. لقد كانوا يظنون أن في وسعهم تحقيق سحقٍ كاملٍ وسريعٍ لقوات الدعم السريع، لكن ها هي الحرب توشك الآن على إكمال عامها الثالث.

نتيجةً لهذا العجز العسكري الفاضح، طفق الجيش الإخواني يستدعي المتحركات من الأقاليم القريبة من العاصمة طلبًا للنجدة. لكنَّ، كل تلك المتحركات العديدة، المرتجلة، تلقَّت الهزائم، الواحدة تلو الأخرى. واختبأ، منذ الساعات الأولى من بداية الحرب، قائد الجيش، الفريق عبد الفتاح البرهان، ومعه العديد من كبار ضباط الجيش، في أقبية القيادة العامة تحت الأرض. تحصنوا هناك بعد أن قضى المئات من الضباط والجنود، الذين كانوا معهم، نحبهم، وهم يدافعون عن مقر القيادة وعن القادة. مكث الفريق البرهان في قبوه أربعة أشهرٍ، ثم خرج منه خفيةً، في جنح الظلام، ليظهر في صباح اليوم التالي، بين جنوده، في قاعدة وادي سيدنا العسكرية شمالي مدينة أمدرمان. غير أنه لم يبق فيها لكي يدير معركته مع جنوده لإعادة السيطرة على عاصمة البلاد التي فقد معظمها، وإنما هرب إلى مدينة عطبرة.

في عطبرة قام بزيارة قائد كتيبة البراء بن مالك، المصباح طلحة، الذي كان حينها نزيلاً في المستشفى هناك. وما لبث الفريق البرهان أن توجه من هناك إلى مدينة بورتسودان، على ساحل البحر الأحمر، في أقصى شمال شرقي البلاد، لينشئ سلطة الإخوان المسلمين المستردَّة، مستعينًا بوحدات الجيش الموجودة هناك. والآن، رغم أن العاصمة الخرطوم قد خليت، منذ سبعة أشهر، من قوات الدعم السريع، إلا أن الفريق البرهان، وكبار قادة جيشه وطاقم وزارته الإخواني لم يعلنوا عن أيِّ ميقاتٍ للعودة إليها. والسبب، هو أن المقرَّات الحكومية قد أضحت ملوثة بمخلفات استخدام الجيش وكتائب الإخوان المسلمين للأسلحة الكيميائية، التي لا يُعرف متى ستختفي آثارها. كما أن الدمار الذي أصاب شبكة المياه، وشبكة الصرف الصحي، وشبكة الاتصالات، والمباني والمرافق، في المنطقة التي كانت تمثل مقر الحكم، لا يُرجي أن يجري إصلاحه في وقتٍ قريب.

منذ 27 أغسطس 2023، وهو اليوم الذي وصل فيه الفريق البرهان إلى مدينة بورتسودان، شرعت سلطة بورتسودان الإخوانية، الجزئية، الكاريكاتورية، في مواصلة نهجها القديم المتَّسم بصناعة المليشيات، ونشر الفوضى، وإزكاء الانقسامات العرقية، والاتِّجار بأرواح المدنيين، تحت الشعار الكاذب الذي حمل وصف: “حرب الكرامة”. هناك انصرف قادة الجيش، والإخوان المسلمون، ولوردات الحرب من قادة المليشيات، تحت دخان التضليل الإعلامي الكثيف، إلى ممارسة نهجهم القديم، المتمثل في السيطرة على موارد البلاد الثمينة، من أراضٍ زراعيةٍ خصبةٍ، وثرواتٍ زراعية، وغابية، وحيوانية، ومعدنية، ومن ثَمَّ ضخها، في اقتصاد جمهورية مصر العربية، وغيرها من البلدان. تزايد في الحرب الثلاث هذه نهب الثروات من قبل حكومة بورتسودان بصورةٍ لم يشهد مثلها تاريخ البلاد. وقد ذهب جزءٌ من عوائد النهب لمقابلة كلفة استيراد السلاح، التي تضخَّمت بصورةٍ غير مسبوقة. وذهب الجزء الآخر مع حالة الفوضى الشاملة، واتساع فرص الفساد، إلى لصوص قادة الجيش، ولقيادات لإخوان المسلمين، وللوردات الحرب من قادة المليشيات، ليزداد كل هؤلاء ثراءً على ثرائهم العريض السابق.

الخطوط المصرية الحمراء

بسبب هذا التطور النوعي في أسلوب الحرب، المتمثل في استخدام الأسلحة الكيميائية، التي جرى استيرادها بمعاونة حلفاء النظام الإخواني في الخارج، والتي ثبت استخدامها في معارك جبل موية، وفي داخل العاصمة الخرطوم، وفي مناطق عديدة أخرى، اضطرت قوات الدعم السريع للانسحاب من ولاية الجزيرة، ومن العاصمة الخرطوم. فتوجَّهت غربًا إلى كردفان ودارفور، وشرعت في تحرير المدن من قبضة جيش البرهان الإخواني، الواحدة تلو الأخرى. وبعد سبعة أشهر من انسحابها من الخرطوم والجزيرة حرَّرت قوات الدعم السريع، في 26 أكتوبر 2025، مدينة الفاشر عاصمة إقليم دارفور. ثم أردفت ذلك بتحرير مدينة بابنوسة في ولاية غرب كردفان في 2 ديسمبر 2025، مضيفةً بذلك رقمًا كبيرًا إلى المدن التي سبق أن حررتها في إقليمي دارفور وكردفان. ثم ما لبثت قوات الدعم السريع أن واصلت زحفها وحررت حقل هجليج النفطي، في 8 ديسمبر 2025.

كشف السقوط المتتالي لمقرَّات فِرَق الجيش الكبيرة في غرب السودان في قبضة قوات تحالف تأسيس، العجز الفاضح للجيش الإخواني وكتائبه الداعشية. وقد ظل النظام المصري يراهن على الفريق البرهان وقادة الجيش للقضاء على الثورة السودانية، منذ عام 2019. وهذا هو ديدن النظم المصرية المتعاقبة التي اخترقت هذا الجيش وجعلت منه رأس رمح جهودها المستمرة لوأد ثورات السودانيين، الهادفة لتحرير الإرادة السودانية الوطنية، وسلطة القرار السوداني من الهيمنة المصرية المتطاولة. بعد سبعة سنوات من المحاولات الدؤوبة لوأد الثورة السودانية، التي اشتعلت في نهاية عام 2018، شعر النظام المصري أن جهوده لإبقاء الجيش في السلطة لم تحقق كل ما كان منتظرًا منها. وقد مثل سقوط الفاشر وبابنوسة، وحقل هجليج في نهاية عام 2025، لطمة قاسية للجهود المصرية. وهنا، استجمع النظام المصري كل قوته وانخرط في خطابٍ عدوانيٍّ، مستلهمًا تاريخه الاستعماري في السودان، وأطلق تحذيره المفعم بالتطاول والشعور بالاستحقاق المطلق لفرض الهيمنة على شؤون السودان، قائلاً: إن لمصر خطوطًا حمراء في السودان”، وكأنَّ السودان محافظةٌ مصريةٌ جنوبية.

لقد مثَّلت صرخة “الخطوط الحمراء” التحذيرية، التي أطلقتها مصر، رسالة علنيةً إلى الفريق البرهان وجيشه الإخواني، بأن يواصلوا الحرب حتى القضاء المبرم على قوات تحالف تأسيس. فعلت مصر ذلك، رغم أنها جزءٌ من الآلية الرباعية. وينبغي عليها، وهي بهذا الوصف، أن تكون متناغمةً مع توجهات الرباعية، التي أعلنها المستشار الأمريكي مسعد بولس المتمثلة في: إبعاد العسكر عن السلطة، وعن الهيمنة على الاقتصاد. ثمَّ، قيام نظام حكمٍ يديره المدنيون. لكن، رغم ذلك، أطلق النظام المصري صرخته التحذيرية، تتويجًا لجهده المتواصل منذ البداية لهدم الرباعية من الداخل. ولذلك حملت خطابات الفريق البرهان العديدة، في الآونة الأخيرة، والمبادرة التي أطلقها رئيس الوزراء كامل إدريس، اشتراطاتٍ لوقف الحرب بالغة الغرابة، تمثَّلت في المطالبة باستسلام قوات الدعم السريع، دون تفاوض! فلتتصور عزيزي القارئ، جيشًا متقهقرًا، متواضع الأداء، يستنفر المدنيين، الذين لم يتلقوا تدريبًا كافيًا، ليقاتلوا إلى جانبه، ثم يتجرأ، مع ذلك، ليطالب جيش تأسيس المنتصر الذي يطوي الأرض من تحت أرجل جيش البرهان، والذي أصبح الآن يسيطر على ما يقارب نصف مساحة البلاد، أن يخرج من كل المدن التي احتلها. بل، أن يتجمَّع في مناطق يجري تحديدها له، وأن يسلِّم سلاحه!!

نصف الرباعية ضد الرباعية!

بوصول الصراع بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة في اليمن الجنوبي مرحلة المواجهة بالسلاح، كما جرى في ميناء المُكلا، قبل أيامٍ، على المدخل الشرقي لخليج عدن، بزعم أن شحنةً إمارتيةً من الأسلحة قد وصلت إلى ذلك الميناء، تكون الرباعية قد فقدت التناغم وسط مكوناتها العربية الثلاث؛ المملكة العربية السعودية، ومصر، ودولة الإمارات العربية المتحدة. بل إن حدوث هذه الهجمة الجوية السعودية على ميناء المكلا، في هذا التوقيت أمرٌ مثيرٌ للاستغراب. ويستلزم في تقديري القيام بقراءةٍ جديدةٍ لسبر احتمالات انعكاسها على خريطة الطريق التي أقرتها الرباعية. فما جرى من كل من مصر والسعودية يشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية ودولة الإمارات العربية المتحدة تقفان في جانبٍ لوحدهما. وتتمثل رؤيتهما في إعلان هدنة، وفتح الممرات لتقديم العون الإنساني، ثم إيقاف الحرب والتفاوض لإبعاد العسكر عن الحكم، وعن السيطرة على الموارد الاقتصادية للبلاد، وإسناد تسيير دولاب الحكم في السودان إلى المدنيين. أما الشق الآخر، الذي تمثله كلٌّ من المملكة العربية السعودية ومصر، فيبدو أنه لا يرضى بغير على بقاء الجيش في الحكم.

تقول تصرفات مصر، وبوضوحٍ شديد أن تظاهرها بقبول خطة الرباعية، ليس سوى حيلةٍ لنسف جهود الرباعية من الداخل وإجهاض توجهاتها. فإن تمكَّن الجيش من سحق قوات تحالف تأسيس سحقًا كاملاً، فإن الأمنية القصوى للنظام المصري تكون قد تحققت. وإما إذا استطالت الحرب، وأدى توازن الضعف بين الفريقين المتحاربين إلى انقسام البلد إلى شطرين، فإن مصر ستكون سعيدة بذلك، أيضًا. إذ ستكتفي، حينها، بالهيمنة على الشطر الذي سيديره الجيش، وفقًا لمصالحها المتمثلة في: السيطرة على مياه النيل، وعلى المواد الخام السودانية، وفرصة التوسع المصري في الاستثمار الزراعي الاستيطاني في أراضي السودان. ولا ينبغي أن يُضلِّلَنَّ أحدًا ترديدُ النظام المصري، كلَّ حينٍ وآخر، إنه مع وحدة السودان. فذلك من باب ذرٍّ الرماد في العيون، لا أكثر.

وأما موقف المملكة العربية السعودية فلإنه لا يزال مُتَّسِمًا بالغموض. لكن، يمكن لمن يتابع قناة العربية، والعربية الحدث، الناطقتان بسياساتها، واللواتي ظلَّتا تغطِّيان الحرب في السودان بصورةٍ مطابقةٍ، تمامًا، للصورة التي تغطيها بها قناتا الجزيرة، والجزيرة مباشر، أن يستنتج أن المملكة العربية السعودية تقف مع بقاء الجيش في السلطة. لكن، ربما وفق صيغةٍ تُبعد الإخوان المسلمين من السيطرة عليه. وهو فيما يبدو نفس ما يعمل لأجله النظام المصري، وهو أمرٌ غير ممكن من وجهة نظري. فالجيش السوداني الحالي وتنظيم الإخوان المسلمين شيءٌ واحد. عمومًا، ربما أمكن القول، والحالة هذه، إن خرق الرباعية، الذي ظلَّت مصر تعمل لإحداثه، بصورةٍ حثيثةٍ، منذ البداية، قد اتسع الآن على الراتق.

مؤشراتُ اعترافِ إسرائيل بأرض الصومال

لقد أدخل اعتراف إسرائيل بجمهورية أرض الصومال، الأمور في داخل الرباعية، في تعقيداتٍ جيواستراتيجيةٍ وجيوسياسيةٍ جديدة. بل وضع منطقة القرن الإفريقي، برمتها، على اعتاب تبلورٍ لصيغة لتحالفٍ جديدٍ، تشير عدَّةُ ملابساتٍ إلى فرص اتساعه. ويمكن القول، إن التضارب بين الرؤية الأمريكية الإسرائيلية لأمن خليج عدن والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، من جهة، والرؤية السعودية، والرؤية المصرية، وربما التركية، أيضًا، من الجهة الأخرى، قد دخلتا حالة من التناقض يمكن أن توصف بالحدة. وسوف ينعكس هذا، في تقديري، على قدرة الرباعية على إيقاف الحرب في السودان، وعلى تطبيق الخطة الأمريكية المعلنة، المتمثلة في إبعاد الجيش وتنظيم الإخوان المسلمين، وكل القوى المختلفة الحاملة للسلاح، من السلطة، واستعادة مسار التحول الديمقراطي.

اعتراف دولة إسرائيل بجمهورية أرض الصومال ليس فعلا ثنائيًا بين هذين البلدين، وإنما هو إرهاصٌ لتوجهٍ جيواستراتيجيٍّ جديدٍ في منطقة القرن الأفريقي. فجمهورية أرض الصومال أصبحت محورًا تتقاطع فيه مصالح أربعِ دولٍ يبدو أنها متناغمة المصالح، هي: جمهورية أرض الصومال، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وإثيوبيا، وإسرائيل. فاعتراف إسرائيل بجمهورية أرض الصومال له دلالاته الخاصة، وثقله الجيواستراتيجي والجيوسياسي. فالتقارب الإماراتي مع جمهورية أرض الصومال يعود إلى أكثر من عقدٍ من الزمان. فمنذ عام 2017 عقدت شركة موانئ دبي العالمية (DP World)، صفقة امتيازٍ مع جمهورية أرض الصومال، مدتها 30 عامًا. وقد قضت تلك الصفقة بتطوير ميناء بربرة، في جمهورية أرض الصومال، بكلفةٍ بلغت 440 مليون دولار. إلى جانب ذلك، بنت دولة الإمارات العربية المتحدة قاعدةً عسكريةً في ميناء بربرة، مع منشآتٍ جويِّةٍ، بقدراتٍ تشغيليةٍ واسعة، تشمل مدرجًا طويلاً لهبوط الطائرات. كما تشمل خدماتٍ للدعم اللوجستي، تُستخدم في مراقبة ممرات الشحن البحرية المهمة، والتأثير على الأمن البحري في خليج عدن وباب المندب. وبعد أن قامت شركة  DP Worldالإماراتية ببناء ميناء بربرة، جرى في عام 2018 توقيع اتفاقٍ استثماريٍّ ثلاثيٍّ بين جمهورية أرض الصومال وهذه الشركة الإماراتية، والحكومة الإثيوبية. وقد كانت أنصبة تلك الصفقة: 51% للشركة الإماراتية، و19% لإثيوبيا، و30% لجمهورية أرض الصومال. وينص الاتفاق على الاستثمار في تطوير ميناء بربرة والبنية التحتية المحيطة به. كما يشمل الاتفاق تشييد طريقٍ يربط بين ميناء بربرة وإثيوبيا، لنقل الصادرات والواردات الإثيوبية، وكذلك ربما ليصبح ميناء بربرة مرسىً إضافيًّا لأسطول النقل البحري الإثيوبي، الذي ظل يستخدم ميناء جيبوتي.

خطأ مصر الفادح في القرن الأفريقي

ثمَّةَ أمورٌ جرت في الآونة الأخيرة ينبغي أن نقرأها بعناية: منها اعتراف إسرائيل بجمهورية أرض الصومال، ومنها سقوط الفاشر وبابنوسة وحقل هجليج النفطي في يد قوات تحالف تأسيس. لقد أخطأ النظام المصري، وما أكثر ما يخطئ النظام المصري، وهو يتصرف بأكبر من حجمه، فدسَّ أنفه في شؤون القرن الأفريقي. لقد قام النظام المصري في أغسطس 2024 بتوقيع اتِّفاقٍ للدفاع المشترك مع جمهورية الصومال (مقديشو). وهي بلادٌ تبعد عن مصر بأكثر من 3500 كيلومترا. وهي، على كل جالٍ خطوة لاستعراضٍ العضلات، بلا عضلاتٍ حقيقيةٍ. كان غرض تلك الخطوة الضغط على إثيوبيا، وإشغالها بما يعطِّل نهضتها الشاملة المتسارعة، بسبب إنشاءها سد النهضة. تحرك النظام المصري للضغط على إثيوبيا على ثلاث محاور: محور إريتريا، ومحور الفريق البرهان والإخوان المسلمين في السودان، ومحور جمهورية الصومال (مقديشو).

النتيجة الطبيعية لهذا التحرك ظهور إرهاصاتٍ لحلف مضاد في المنطقة، أخذت ملامحه في الظهور الآن. ولسوف تقود النزعات المصرية للهيمنة هذا الحلف لكي يكبر ويتسع. وأتوقع أن يضيف إلى بنيته كلاَّ من جمهورية جنوب السودان، وحكومة تحالف تأسيس. وبهذا سوف تصبح المنطقة الممتدة من جنوب اليمن، عبر جمهورية أرض الصومال، وربما مرورًا بجمهورية جنوب السودان، وصولاً إلى حكومة نيالا في السودان، نطاقًا واحدًا متصلاً، ضمن تصوِّرٍ جيواستراتيجيٍّ، لقرنٍ إفريقيٍّ جديد. ولربما أمكن القول، إن سقوط حقل هجليج النفطي في يد قوات تأسيس، والتعاون الذي جرى بين تحالف تأسيس، وجمهورية جنوب السودان، على إدارته، أمرٌ له دلالته الوازنة. ولو أضفنا إلى ذلك، ما سبق أن رشح حول أن دولة الإمارات قد اشترت نفط جنوب السودان داخل الأرض بمبلغ 12 مليار دولار، فلربما يصبح في وسعنا أن نقول: إن جمهورية جنوب السودان، غالبًا ما ستعود لإحياء فكرة تصدير نفطها عبر إثيوبيا، إلى ميناء بربرة في جمهورية أرض الصومال.

مما أوضحته هذه الحرب أن هناك معسكران إقليميان: معسكرٌ قرنُ إفريقيٍّ جديد، أخذ يبرز الآن. من سماته الحث على التعايش السلمي، والديمقراطية، والتنمية المستدامة. ومعسكر آخرٌ قديم، أثبت أنه يقوم على قمع الشعوب والتحكم في مصائرها، وتعطيل نموها. بل إن أهل هذا المعسكر، وهو معسكرٌ نقيضٌ لكل قواعد الدولة الحديثة، يرون أن نمو بلدانهم يستند، بالأساس، على تعطيل نمو البلدان الأخرى، وزعزعة استقرارها، وحبسها، من ثَمَّ، في دائرة الفقر والعوز والتبعية. خطة هذا المعسكر هي الدعم الثابت للأنظمة العسكرية التي يعرف كيف يستتبعها، ويجعل منها أداةً معيقةً لنهوض الدول المحيطة به.

يقف السودان، اليوم، عند مفترق طرقٍ بالغِ الخطورة. وهو منعطفٌ سنحت فيه الفرصة/ ولأول مرَّةٍ، منذ أكثر من قرنين من الزمان للتخلص، وإلى الأبد، من الهيمنة المصرية المعطِّلة، ومن الهيمنة العربية المتَّسمة بنزعة الوصاية، المعطِّلة أيضا. إلى جانب ذلك، هو أيضًا منعطفٌ ينبغي أن يخرج فيه السودان، مرة وإلى الأبد، من كونه قطعة شطرنج في ألاعيب قوى الإسلام السياسي الدولية، وأجندتها الكارثية. وأن يخرج فيه، مرًّة وإلى الأبد، أيضًا، من دائرة نظر النزعة الشعوبية التوسعية الإيرانية، لذلك، يتعيَّن على حكومة تأسيس أن تقرأ هذه التطورات الجديدة بعين فاحصة، لتستثمر فيها جميع أوراقها. فنحن، الآن، عند مفترقٍ للطرق فيه تتحدد، أولا تتحدد، لا قدر الله، عودة السودان إلى ذاته التاريخية، والثقافية، الجيواستراتيجية، الخاصة به، وإلى نطاقه الإفريقي، والقرن إفريقي، حيث ينبغي أن يكون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى