“نازحو كردفان”.. منسيون على هامش الصراع السوداني

دروب 11 أغسطس 2025 – وصل عمر سعيد إلى مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، بعد رحلة فرار قاسية امتدت لـ 7 أيام بلياليها واجه خلالها الموت أكثر من مرة، لكنه نجأ بـ”فضل العناية الإلهية”، وفق ما رواه لـ”دروب”.
كانت هذه الرحلة هي تجربة النزوح الثالثة لسعيد بعدما فرّ للمرة الأولى في مايو 2023 من الخرطوم إلى النهود بولاية غرب كردفان، قبل أن يفر منها مجددًا في مطلع مايو 2025 بعد هجوم قوات الدعم السريع، والذي تعرضّ خلاله للضرب والنهب.
“اقتحم مسلحون منزلي، صوّب أحدهم سلاحه في وجهي ثم جلدوني بالسياط”، قال سعيد لـ”دروب”. “كما نهبوا هواتف أسرتي وبعض الأموال وجهاز انترنت فضائي كنت قد خبأته في سقف الحمام”.
وصل سعيد وأسرته المكونة من زوجة وثلاثة أطفال، بعد ذلك إلى قرية “بريمة رشيد” شمال غرب النهود، في العاشر من مايو 2025، قبل أن ينزح منها هي الأخرى قسرًا أواخر يوليو الماضي بعد هجوم عنيف شنته قوات الدعم السريع على القرية وقُرى أخرى مجاورة، قُتل خلاله ما لا يقل عن 40 شخصاً، حسب قوله.
أوضح سعيد أنه وصل أخيراً إلى مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان حيث يعيش اليوم في إحدى مراكز إيواء النازحين الفارين مثله من مناطقهم التي شهدت معارك عسكرية في غرب وجنوب كردفان.
نازحون جوعى
تستضيف مدينة الأبيض آلاف النازحين الفارين من مناطق مثل “الدبيبات، الحمادي، الخوي، النهود” التي شهدت معارك عنيفة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، خلال مايو ويونيو الماضيين، صاحبتها انتهاكات واسعة بحق المدنيين شملت القتل والنهب والفرار سيرًا على الأقدام لمسافات طويلة واجهوا خلال الجوع والعطش والمرض، مما أدى لوفاة بعضهم، وفق مصادر طبية.

وأفاد مصدر طبي في مستشفى أبوزبد لـ”دروب” أن 8 أشخاص بينهم 3 أطفال توفوا بالمستشفى نتيجة الجوع والعطش والمرض الذي تعرضوا له أثناء رحلة الفرار من منطقتي “الدبيبات والحمادي” إلى مدينة “أبوزبد” بولاية غرب كردفان، خلال يونيو الماضي. وأشار إلى سماعه روايات عن وفيات أخرى وسط النازحين في الطريق خلال رحلة الفرار دُفنت جثامينهم في العراء قبل الوصول إلى أبوزبد. لم يتسن لـ”دروب” التحقق من هذه الروايات.
كما قُتل نازحون آخرون في مدينتي أبوزبد والفولة جراء غارات جوية نفذها الجيش السوداني على المدينتين طالت بعض مراكز إيواء النازحين خلال يونيو ويوليو الماضيين، بحسب متطوعون.
وهذا ما أعلنته كذلك غرف الطوارئ والبناء بولاية غرب كردفان، والتي أوضحت في بيان صدر في 15 يوليو الماضي، أن “مدينة أبوزبد تعرّضت لسلسلة غارات عنيفة، في بداية وأواخر يونيو استهدفت مراكز إيواء ومنازل مدنيين، مما أدى إلى مقتل 20 شخصًا على الأقل، وإصابة 22 آخرين، بينهم نازحون أطفال ونساء”.
كما تعرضت مدينة الفولة لقصف جوي في 13 يوليو، أسفر عن مقتل أكثر من 10 مدنيين، بينهم طفل، وإصابة 26 آخرين، وفق البيان عينه.
يفترشون الأرض
وتستضيف مدينة الفولة وحدها حوالي 10 آلاف نازح ونازحة بينهم أطفال ونساء وكبار سن يفترشون الأرض ويقطنون في شوارع المدينة، وفقاً لمواهب البلة، عضو لجان الطوارئ بالمدينة.
صرحت البلة لـ”دروب”: “المواطنين نزحوا الى مدينة الفولة بأعداد كبيرة بعد الغارات الجوية التي شنها الطيران على مناطق الدبيبات وابوزبد والحمادي، وقد كانت المدينة تحتضن من قبل نازحين من بابنوسة ولقاوة والخرطوم والنهود”.
وأوضحت أن النازحين في الفولة يعانون من مشاكل السكن والمراحيض والغذاء ونقص مياه الشرب، وانتشار الأمراض والأوبئة وخصوصاً في فصل الخريف، مؤكدة تفشي “الكوليرا والملاريا الخبيثة” وسط النازحين. وأشارت إلى أن مئات النازحين الفارين من “الدبيبات والحمادي” كانوا قد واجهوا أوضاعاً قاسية خلال رحلة النزوح إلى ابوزبد والفولة، بعدما تقطعت بهم السبل في الطريق بين هذه المناطق.

تُقدر الأمم المتحدة أعداد الفارين من الدبيبات والحمادي في جنوب كردفان بنحو 11 ألف شخص فروا خلال الفترة بين 12 و14 يونيو، لينضموا إلى أكثر من 9 آلاف شخص نزحوا سابقاً من نفس المنطقة في 29 مايو، يقيمون اليوم في الأبيض شمال كردفان ومدن أخرى في غرب وجنوب كردفان.
الفارون من بابنوسة
وفي منطقة “ام جاك” حوالي 40 كيلو متر شمال مدينة بابنوسة، تعيش النازحة حليمة آدم، مع مئات الفارين مثلها داخل مركز إيواء لم يسمع به سوى متطوعي غرف الطوارئ الذين يكافحون في سبيل تضميد بعضًا من جراحات الفارين من الحرب، بإمكانيات قليلة.
تركت حليمة منزلها في مدينة بابنوسة بولاية غرب كردفان في يناير 2024، ومن يومها فهي تعيش في عناء مستمر مع نقص الغذاء ومياه الشرب والخدمات العلاجية، وفق ما ترويه لـ”دروب”.
ولم يتبق لحليمة آدم، طاقة تحتمل وضع النزوح القاسي بعدما اخذت نصيبها من العذاب خلال عام ونصف قضتها في منطقة أم جاك النائية، لكن ما تزال مليئة بالأمل في العودة إلى منزلها في مدينة بابنوسة، حسب قولها.
وبسبب انعدام المسارات الآمنة والصراعات المحتدمة التي تشهدها مناطق كردفان، لم يتسنى للمنظمات الأممية الوصول إلى النازحين العالقين هناك، إلا من بعض القوافل التي أرسلها برنامج الغذاء العالمي إلى مدينتي غبيش والفولة.
وظلت حياة الاعداد الكبيرة من النازحين تحت رحمة جهود متطوعي غرف الطواري الذين يجتهدون في استقطاب التبرعات من الخيرين وعمل وجبات مجانية.

تحديات بالجملة
توجد غُرف طوارئ في نحو 15 مدينة في ولاية غرب كردفان، لكن غرفة طوارئ بابنوسة تعد الأكثر فاعلية ونشاطاً في خدمة النازحين الفارين من المدينة ويتوزعون في مناطق واسعة بالولاية.
وبحسب مسؤول الاتصال في غرفة طواري بابنوسة معمر القذافي، فإن سكان مدينة بابنوسة المقدر بحوالي 177 ألف نسمة، نزحوا جميعاً بعد اندلاع المواجهات العنيفة، ويقيمون في نحو 20 قرية في ولاية غرب كردفان، وتعتبر منطقتي “أم جاك وسنطايا” الأكثر احتضاناً للمواطنين الفارين من القتال.
أوضح القذافي لـ”دروب” أن النازحين يعتمدون على المطبخ المجاني “التكل” الذي تقيمه غرفة طواري بابنوسة، في عدد من مواقع النزوح، إلى جانب الخدمات الصحية المقدمة من الغرفة كذلك، مبيناً أنه “لم تصل أي مساعدات إنسانية بشكل مباشر إلى المنطقة منذ اندلاع القتال”.
وشدد على أن غرف الطوارئ في ولاية غرب كردفان تواجه تحديات عدة، بينها شح التمويل والمضايقات الأمنية، والعدد الكبير من النازحين، حيث تحتضن ولاية غرب كردفان 755 ألف نازح، فروا من بابنوسة والفولة وغيرها من المناطق التي شهدت اضطرابات.
ومن وقت لآخر تضطر غرفة طواري بابنوسة إلى تعليق العمل في المطبخ المجاني، وتفشل في اعداد الوجبات نتيجة نفاد المبالغ التي يتم جمعها من المتبرعين، وتترك النازحين في مواجهة مع الجوع.
أمل العودة
من جهتها أشارت عضو غرفة طوارئ بابنوسة مهاد جامع إلى أن المجتمعات المحلية المضيفة لا تستطيع تقديم العون اللازم للنازحين، فهم الآخرين بحاجة إلى مساعدة نظراً لتأثر اقتصادهم جراء الحرب المستمرة لأكثر من عام ونصف.
ونوهت في حديث لـ”دروب” إلى الحاجة ملحة إلى تدخلات إنسانية عاجلة لإنقاذ آلاف النازحين، يواجهون نقصاً مستمراً في الغذاء والرعاية الطبية وشتى ضروريات الحياة.
تدخلات ينتظرها المشردون من منازلهم وهم يقيمون في العراء يحتمون بظلال الأشجار في منطقة “أم جاك” في ولاية غرب كردفان وغيرها، وسط ظروف إنسانية بالغة التدهور. ومع ازدياد الحاجة للغذاء والايواء، ينحصر حلم النازحين من ديارهم قسراً في توقف الحرب والعودة إلى منازلهم، كحل نهائي للمعاناة من أزمات النزوح المديدة.



