قراءة لخطاب القائد إبراهيم دنيا “ابو عدي”


كتب: صلاح الدين ود نافع
ياتي خطاب القائد إبراهيم دنيا في الذكرى الثانية لتأسيس حركة تحرير شرق السودان في سياق تاريخي وسياسي بالغ التعقيد يتسم بانهيار الدولة المركزية واستمرار الحرب وتفاقم الأزمة الإنسانية وتصاعد التنافس الإقليمي والدولي حول البحر الأحمر ومن هذا المنطلق لا يمكن قراءة الخطاب قراءة وصفية او إنشائية فقط بل تتطلب مقاربته منهجا تحليليا قادرا على تفكيك التناقضات التي يحيل إليها واستجلاء مسارات الصراع والتحول وهو ما يوفره المنهج الجدلي القائم على فهم الواقع من خلال جدلية التناقض الصراع التحول.
أولا- الضرورة التاريخية مقابل الواقع القائم:-
ينطلق الخطاب من تأكيد أن نشأة حركة تحرير شرق السودان لم تكن فعلا عارضا أو رغبة نخبوية بل استجابة تاريخية لضرورة موضوعية بين واقع التهميش المزمن والإقصاء السياسي والاقتصادي الذي عاشه إنسان الشرق لعقود واندلاع الحرب الشاملة التي هددت الوجود المادي والاجتماعي للشرق وحوّلته إلى ساحة صراع محتملة فنجد أن تأسيس الحركة جاء كأداة دفاع عن الأرض والكرامة وكتعبير عن وعي جمعي جديد يرفض الاستمرار في موقع الضحية بهذا المعنى لا يقدم الخطاب التأسيس بوصفه خيارا سياسيا فحسب بل بوصفه نتاجا حتميا لصراع تاريخي غير محلول بين المركز والهامش.
ثانيا- الدولة المنهارة مقابل مشروع العدالة:-
يتعامل الخطاب مع السودان بوصفه وطنا يعيش تناقضا عميقا بين وحدة الاسم وانقسام الواقع فالدولة المركزية كما يصورها الخطاب فشلت في تحقيق العدالة والتنمية وأصبحت أداة لإعادة إنتاج الإقصاء فنجد القائد إبراهيم دنيا يضع الدولة المركزية بصيغتها القديمة كبنية نفي لحقوق الشرق مقابل ذلك يطرح مشروع الحكم الفيدرالي بوصفه نفيا لهذا النفي أي آلية لتجاوز الأزمة وبناء وحدة جديدة قائمة على الشراكة لا الإلحاق وهنا لا تطرح قضية الشرق كقضية جهوية ضيقة بل كمدخل لإعادة تعريف الدولة السودانية نفسها على أسس العدالة والمساواة وهو طرح يتجاوز المحلي إلى الوطني.
ثالثا-الثروة مقابل الحرمان:-
يشكل البحر الأحمر في الخطاب أحد أبرز تمظهرات التناقض بين الموقع الاستراتيجي والتهميش البنيوي فالشرق يمتلك الموانئ والمعادن والسواحل ومع ذلك ظل إنسانه خارج معادلة السلطة والثروة في هذا السياق يبرز الخطاب جدلية ثلاثية.
الثروة الطبيعية الموانئ المعادن الزراعة التنافس الإقليمي والدولي على هذه الثروة الغياب القسري لإنسان الشرق عن إدارة موارده ويقدّم الخطاب موقفا واضحا بان أي تسوية مستقبلية تتجاهل إشراك أهل الشرق في إدارة البحر الأحمر ومشاريعه إنما تعيد إنتاج التناقض نفسه بصيغة جديدة ما يجعل الصراع مرشحا للاستمرار.
رابعا- السلم الاجتماعي:-
يتعامل الخطاب مع النسيج الاجتماعي في شرق السودان باعتباره ساحة صراع غير عسكرية حيث تحاول قوى داخلية وخارجية توظيف الانقسامات القبلية والاجتماعية كأداة للهيمنة يطرح الخطاب الفتنة وخطاب الكراهية بوصفهما أداة تفكيك والسلم المجتمعي والوحدة بوصفهما أداة مقاومة وهنا يتحول الوعي الجمعي إلى عنصر حاسم في الصراع إذ لا ينظر إلى الوحدة كقيمة أخلاقية مجردة ولكن كسلاح سياسي واجتماعي في مواجهة مشاريع التفتيت.
خامسا-التسوية الشكلية مقابل الحل الجذري:-
يظهر الخطاب موقفًا مركبا من مساعي السلام يقوم على دعم وقف الحرب من جهة ورفض السلام المنقوص من جهة أخرى وهذا يعكس فهما عميقا لطبيعة السلام السلام كنفي للحرب لا يكون مكتملا ما لم يتحول إلى إثبات للعدالة أي سلام لا يعالج جذور الإقصاء التاريخي خاصة في شرق السودان سيبقى هشا وقابلا للانفجار ومن هنا تأتي المطالبة الصريحة بمنبر تفاوضي خاص بالشرق بوصفه آلية لتجاوز التمثيل الزائف وإعادة الصوت إلى أصحابه الحقيقيين.
فخطاب القائد ابو عدي يمثل نصا سياسيا مشبعا بالوعي إذ لا يكتفي بتوصيف الأزمة بل يربطها بتناقضاتها البنيوية ويقترح مسارات لتجاوزها عبر العدالة والوحدة والشراكة الحقيقية فالخطاب لا يقدم الشرق كضحية فقط بل كفاعل تاريخي في طور التشكل يسعى للانتقال من موقع التهميش إلى موقع الشراكة في صياغة مستقبل السودان
كمدخل لإعادة تعريف الدولة السودانية نفسها على أسس العدالة والمساواة وهو طرح يتجاوز المحلي إلى الوطني.


