مبادرة كامل ادريس.. تغليف الحرب بإطار السلام

(تقرير) 24 ديسمبر 2025 – اعتبر محللون سودانيون أن المبادرة التي طرحها رئيس الوزراء كامل إدريس أمام مجلس الأمن الدولي، بمثابة تغليف للحرب في أوعية السلام، لكونها تضمنت نفس شروط الجيش للانخراط في التفاوض، والتي رفضتها قوات الدعم السريع في وقت سابق، واندفع الطرفين بعدها إلى تسعير نيران الصراع.
وفيما رأى محللون تحدثوا لـ”دروب” أن ما طُرح لم يخرج عن كونه إعادة إنتاج لمسارات سابقة، ويفتقر إلى رؤية واضحة أو إضافات نوعية. اعتبر آخرون أن المبادرة تستجيب لتطلعات قطاع من السودانيين، لا سيما في ما يتعلق بمطلب نزع سلاح الدعم السريع وإنهاء وجودها العسكري في المدن.
وكان كامل ادريس، قد طرح خلال مخاطبته جلسة مجلس الأمن الدولي يوم الاثنين، مبادرة قال إنها “تقوم على وقف شامل لإطلاق النار، تحت رقابة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، يعقبه انسحاب قوات الدعم السريع من المدن التي تسيطر عليها وتجميعها في معسكرات محددة.
كما تحدثت المبادرة عن نزع سلاح قوات الدعم السريع، وإنهاء الفظائع، واستعادة سلطة الدولة ومسؤولياتها، وتهيئة المناخ للمصالحة الوطنية. دون الإشارة لاستعادة التحول المدني الديمقراطي وتسليم السلطة للمدنيين.
تجاهل واقع الحرب
ووصفت المحللة السياسية والباحثة السابقة بمركز الدراسات الأفريقية في جامعة أفريقيا العالمية، د. رجاء شوكت، خطاب رئيس الوزراء بأنه ينطوي على «التفاف واضح» على مسار الرباعية الدولية، معتبرة أن لغته ومضامينه جاءت «مستفزّة إلى حدٍّ كبير».
وقالت شوكت، في تصريحها لـ«دروب»، إن الخطاب خاطب المجتمع الدولي وكأن الحرب اندلعت قبل أيام، متجاهلًا واقع أنها تدخل عامها الثالث، وما راكمته من مآسٍ إنسانية وتعقيدات سياسية وأمنية.
وتعتقد شوكت أن الخطاب لم يحمل أي جديد مقارنة بخطابات الحكومة السابقة، ولم يقدّم طرحًا مختلفًا يمكن البناء عليه دبلوماسيًا، معتبرة أن إطلاق وصف «مبادرة» عليه لا ينسجم مع مضمونه الفعلي.
واختتمت شوكت حديثها بالتأكيد على أن الإحاطة لا ترقى لأن تُوصَف كمبادرة حقيقية، واعتبرتها خطوة شكلية لم تحقق أي اختراق، قائلة: «في تقديري، هذا الخطاب غير مقبول سياسيًا، ويمثل إهدارًا للوقت والموارد، بما في ذلك كلفة السفر إلى نيويورك، دون نتائج ملموسة».
مكاسب سياسية
وفي المقابل يرى الناشط السياسي د. أمجد فريد أن هناك ثمة تحديات قد تواجه مبادرة رئيس الوزراء والذي طرحها في احاطته لمجلس الامن الدولي. وقال إن “التحدي الأكبر أمام المبادرة وأي خطة أخرى للسلام في السودان، يكمن في قضية حماية المدنيين”.
وحول رفض تحالف القوى المدنية الديمقراطية “صمود” لمبادرة كامل ادريس، أوضح فريد في تصريح لـ”دروب” أن موقف “صمود” وغيره من الأطراف الرافضة لمبادرة رئيس الوزراء يكشف عن عدم رغبتهم في حل الأزمة السياسية.
وقال: “موقف صمود من مبادرة رئيس الوزراء للسلام يفضح حقيقتهم في مواصلة ابتزاز السودانيين عبر الحرب وفظائع المليشيات لتحقيق مصالحهم السياسية. صمود لا تسعى لإنهاء الأزمة أو وقف الحرب، بل لتحقيق مكاسب سياسية على حساب استمرار معاناة المواطنين.”
وكان تحالف “صمود”، قال إن مبادرة رئيس الوزراء كامل إدريس، لوقف الحرب، تمثل محاولة للتهرب من مسار السلام الذي اقترحته خارطة طريق الرباعية. مشدداً على أنه “لا يمكن التعاطي معها بشكل جاد كجهد أو كإطار لإنهاء الأزمة السودانية”.
وشدد أمجد فريد على أنه “دون إخراج قوات الدعم السريع، من المناطق المدنية، ونشر قوات شرطية قادرة على حفظ الأمن وحماية المواطنين، لن يكون من الممكن التفاوض على إنهاء الحرب”.
وقال: “أي عملية سلام تحت هذه الظروف ستكون مجرد تقنين للابتزاز العسكري والدموي الذي تمارسه قوات الدعم السريع”.
وحول رفض تحالف تأسيس لمبادرة كامل ادريس قال فريد: “الدعم السريع وواجهاتها في التأسيس لا تملك قرارها بشكل مستقل. قبولها أو رفضها لأي مبادرة مرتبط بتوازنات المصالح الإماراتية. ومن دون ضغط دولي فاعل على الإمارات للتخلي عن أطماعها في السودان، ستستمر في تحريك وكلائها وعملائها في الساحة السياسية لضمان استمرار الحرب.”
طرح مكرر
وفي السياق ذاته، ترى المحللة السياسية سلمى عثمان، في حديثها لـ«دروب»، أن مبادرة كامل ادريس، لم تحمل جديدًا يُذكر، ووصفتها بأنها تكرار لطرح سبق أن قدّمه رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، لا سيما في ما يتصل بالدعوة إلى التدخل الدولي، وهو طرح أثار حينها جدلًا واسعًا واعتراضات كبيرة.
وأشارت عثمان إلى أن إعادة الحديث عن منبر جدة جاءت دون تقديم رؤية مختلفة أو معالجة لأسباب تعثره السابقة، موضحة أن الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي يمتلكان بالفعل آليات لحفظ السلام، فيما يمكن لجامعة الدول العربية – إذا توفرت الإرادة السياسية – أن تضطلع بدور أكثر فاعلية في كبح التدخلات الإقليمية، لا سيما الدور الإماراتي.
كما لفتت إلى أن الخطاب تضمّن محاولات خجولة لاستعادة بعض شعارات ومطالب الشباب، بالتزامن مع الذكرى السابعة لثورة ديسمبر، دون أن يرتقي ذلك إلى مستوى رؤية متكاملة تستجيب لتعقيدات اللحظة السياسية الراهنة.
من جهته، يرى الكاتب الصحفي الطاهر ساتي أن إحاطة رئيس الوزراء أمام مجلس الأمن لم تتضمن جديدًا جوهريًا، بل أعادت طرح أفكار ومسارات سبق تقديمها لإنهاء الحرب.
ويشير ساتي على صفحته بموقع “فيسبوك” إلى أن ما قُدم بوصفه مبادرة مكمّلة لخارطة الطريق السابقة لم يضف – على حد تعبيره – «جملة واحدة جديدة» عمّا طُرح سابقًا أمام الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية ومنبر جدة.
ويختصر ساتي مضمون الإحاطة في بنود معروفة، تشمل وقف إطلاق النار، انسحاب الدعم السريع، عودة النازحين، نزع السلاح، برامج الدمج والتأهيل، والدعوة إلى حوار سوداني–سوداني للتحول الديمقراطي والعدالة والمصالحة، معتبرًا أن الجديد اقتصر على إعادة الصياغة اللغوية، لا سيما في ما يتعلق بطرح «توفير فرص عمل للمقاتلين السابقين»، وهو ما يراه التفافًا على جوهر قضايا الدمج والمساءلة.
ويخلص ساتي إلى أن خطاب رئيس الوزراء مهم من حيث المبدأ، لكنه غير مدهش ولا يحمل إضافة نوعية، وكان الأجدر تقديمه بوصفه تأكيدًا لموقف السودان من مسار السلام، لا كمبادرة جديدة.



