أصدقاء دروب

ديسمبر.. ما بين رماد الحرب ولهيب الحلم

كتبت / تماضر بكرى

في ذكرى ثورة ديسمبر المجيدة، يقف السودانيون على مفترق طرق حاد، تتقاطع فيه آمال التغيير مع واقع الحرب، وتتنازع فيه ذاكرة النضال مع محاولات الطمس والتشويه. فبينما يحاول سدنة النظام البائد تحميل الثورة وزر الخراب والدمار، تتجلى الحقيقة ساطعة: أن الثورة لم تكن يوما مشروع حرب، بل كانت نداء للحياة، وصوتا للعدالة، وخطوة أولى نحو وطن يسع الجميع.

خرجت الجماهير في ديسمبر تطالب بإصلاح الدولة، لا بهدمها؛ بإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس وطنية، لا بتفكيكها؛ وبعقد اجتماعي جديد يضمن الحرية والسلام والعدالة، لا بإعادة إنتاج الاستبداد. فتحت الثورة أبواب العالم أمام السودان بعد عقود من العزلة، وأعادت للناس الأمل في غد مختلف.

لكن أعداء الثورة لم يهدأ لهم بال. رأوا في يقظة الشعب خطرا على امتيازاتهم، وفي أصوات الثوار تهديدا لسلطتهم. فعملوا على إجهاض الانتقال الديمقراطي، تارة بالتحايل، وتارة بالانقلاب. وفي لحظة خيانة كبرى، انقلبوا على إرادة الشعب في 25 أكتوبر، ثم تقاتلوا على الغنيمة، فكان أن أشعلوا نيران حرب لا تبقي ولا تذر.

واليوم…يعيش السودان واحدة من أحلك لحظاته. مدن تحترق، وأحلام تتكسر، وأرواح تزهق بلا ذنب. شباب الثورة الذين حلموا بوطن حر، يجدون أنفسهم في خنادق النزوح، أو على قارعة الانتظار، أو في ساحات المقاومة المدنية التي لم تخمد جذوتها رغم كل شيء.

لكن…ورغم كل هذا الألم، لا تزال جذوة الأمل متقدة. فالثورة لم تكن لحظة عابرة، بل وعيا متجذرا، وروحا تسري في أوصال هذا الشعب. لم تكن ديسمبر مجرد انتفاضة، بل ميلادا جديدا لوطن يحلم به شبابه أن يكون حرا، عادلا، ديمقراطيا، متصالحا مع ذاته وتنوعه.

وهنا فان مآلات الوضع الراهن تضعنا أمام مسؤولية تاريخية: إما أن نسمح للحرب أن تعيد تشكيل البلاد على مقاس الطغاة، أو أن نعيد نحن تشكيل الحاضر والمستقبل على مقاس أحلامنا. لا خيار ثالث. فإما أن نتمسك بروح ديسمبر، أو نتركها تغتال مرتين: مرة بالانقلاب، ومرة بالحرب.

شباب الثورة، رغم الجراح، لا يزالون يحملون الحلم. لا يزالون يرسمون على الجدران شعارات الحرية، ويغنون للسلام، ويهتفون للعدالة. لا يزالون يؤمنون أن السودان يستحق الأفضل، وأن الدماء التي سالت لم تكن عبثا.

في هذه الذكرى، لا نرثي الثورة، بل نحتفي بها. نستلهم منها القوة، ونستعيد منها البوصلة. فالمستقبل ليس لمن يملك السلاح، بل لمن يملك الحلم. ليس لمن يفرض سلطته بالقوة، بل لمن يصنع شرعيته بالإرادة الشعبية.وقناعتنا بان

ديسمبر باق ما بقيت فينا الرغبة في التغيير، والإيمان بأن هذا الوطن يستحق أن يبنى على أسس جديدة. ديسمبر مجيد، والمستقبل لنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى