لعنة مهسا أميني على النظام الإيراني

محمد ودالسك
في مطلع يناير 2026، تعود الشوارع الإيرانية إلى الغليان، مع احتجاجات واسعة النطاق بدأت كاحتجاج اقتصادي ضد انهيار الريال وارتفاع التضخم، لتتحول سريعًا إلى صرخة سياسية ضد النظام الإسلامي بأكمله. هذه الموجة، التي انتشرت إلى أكثر من 100 مدينة كصدى للأزمة الاقتصادية وامتداد مباشر لانتفاضة مهسا أميني عام 2022، حيث يتردد الشعار نفسه “زن، زندگي، آزادي” (المرأة، الحياة، الحرية)، لكن مع طبقة إضافية من الغضب الاقتصادي والرفض للتدخلات الإقليمية.
من الغضب الاجتماعي إلى الثورة الهيكلية
انتفاضة مهسا أميني عام 2022 كانت نقطة تحول، حيث أشعلت مقتل الشابة الكردية على يد شرطة الأخلاق احتجاجات استمرت أشهرًا، أسفرت عن مقتل حوالي 550 شخصًا، واعتقال آلاف آخرين، مع مشاركة واسعة من النساء، الشباب، والأقليات العرقية. اليوم، في 2026، تعيد الاحتجاجات نفس الديناميكية، لكن مع تطور حيث بدأت من إضرابات التجار في بازار طهران احتجاجًا على الريال الذي وصل إلى 1.4-1.45 مليون مقابل الدولار، والتضخم الذي تجاوز 40-50%، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الغذاء بنسبة 60-70%.وسرعان ما امتدت إلى 23 محافظة على الأقل، مع شعارات مثل “الموت لخامنئي” و”لا غزة ولا لبنان.. حياتي لإيران”، تعكس رفضًا للإنفاق العسكري الإقليمي الذي يرهق الاقتصاد.
ونرى أن كلا الموجتين leaderless (بدون قيادة مركزية)، مما يجعلها صعبة الاحتواء لكنها عرضة للإرهاق. في 2022، ركزت الاحتجاجات على الحقوق النسوية والإثنية (خاصة الكردية)، بينما اليوم تضم الطبقة العاملة (التجار والعمال) والشباب الذي تعلم من الدروس السابقة أهمها أن النظام أضعف من أي وقت مضى، كما يردد متظاهرون. لكن الرواية الرسمية الإيرانية تصر على أنها فتنة خارجية، متجاهلة الأسباب الداخلية مثل الفساد والعقوبات، مما يعكس خوفًا من الاعتراف بفشلها الذاتي.
من الجانب المعارض، يرى رضا بهلوي وأنصاره أنها ثورة حقيقية، مع دعوات لعودة الملكية الدستورية. ومع ذلك، ينتقد آخرون مثل النشطاء اليساريين أن هذا الدعم يعتمد على دعاية خارجية، ولا يعالج المشكلات الهيكلية مثل الاستبداد، سواء كان إسلاميًا أو ملكيًا سابقًا.ويؤكد الشعار (الموت للظالم-سواء الشاه أو الولي الفقيه) رفض كل أشكال الديكتاتورية، مما يجعل الاحتجاجات امتدادًا لروح 1905 الدستورية، لا مجرد تكرار 2022.
تجريد القوى الإمبريالية والوعي الكولونيالي:
والمتابع عن قرب،المتأمل لخطابات القوى الإمبريالية (الولايات المتحدة، إسرائيل، والغرب عمومًا) وسعيها المستمر إلى تجريد أصوات الشعوب الإيرانية، كأنها غير قادرة على تحديد مصيرها بنفسها.فترى حالة وهم الصوابية ومتلازمة السيد التي يمثلها الرئيس ترامب عندما هدد بالتدخل العسكري إذا استمر القمع، مما أثار حماسًا في الشوارع، لكنه يُنقد كتدخل إمبريالي يمكن أن يوحد الإيرانيين ضد الخارج بدلاً من النظام. ونجد أن الروايات الغربية غالبًا ما تبالغ في الثورة لأغراض سياسية، مثل نموذج الغزو الأمريكي الأخير لفنزويلا، حيث استخدمت الولايات المتحدة ذريعة مكافحة المخدرات لإختطاف مادورو والسيطرة على احتياطيات النفط، بينما تتجاهل كيف أن العقوبات الغربية نفسها ساهمت في الانهيار الاقتصادي، مما يجعل الشعب ضحية للعبة جيوسياسية.
وأهم مايفضح عن سرديات الوعي الكولونيالي الذي يظهر في افتراض أن الشعوب الشرقية بحاجة إلى تحرير خارجي، كما في الروايات حول الإمبريالية الفرعية بين الشعوب غير الغربية. لكن الاحتجاجات تثبت العكس،فالإيرانيون يرفضون النظام بأنفسهم دون حاجة لـدعم يحولهم إلى أدوات.ويظل فشل هذا الوعي في إثبات نفسه حتى قيام الساعة، كما يظهر في عدم نجاح التدخلات السابقة (مثل دعم الشاه السابق أو محاولات تغيير النظام في 1979)، والتي أدت إلى تعزيز النظام بدلاً من إسقاطه.لكن وبمحاذاة ذلك يستغل النظام الإيراني هذا الوعي لدعايته، متهمًا المتظاهرين بالعمالة (تهمة كل الشعوب الثائرة)لكن ذلك يعكس ضعفه فبدلاً من الإصلاح، يلجأ إلى القمع، مع تقارير عن 16-35 قتيلًا وأكثر من 1000 معتقل حتى الآن.
وتكشف الاحتجاجات كيف أن الغرب يستغل الغضب الشعبي لأهدافه، مثل قطع جذور الإرهاب الإقليمي (حزب الله، الحوثيين)، بينما يتجاهل دوره في خلق الظروف نفسها عبر العقوبات والحروب الوكيلة.كما أن هذا التجريد يجعل الشعوب تبدو غير قادرة على فعل ما تريد، لكن الواقع يثبت فشل هذا الوهم.فالاحتجاجات مستمرة رغم الانقطاعات الإنترنتية والقمع، مع مشاركة متنوعة من الأعراق والطبقات، مما يؤكد استقلالية الإرادة الشعبية ولنا في ثورة ديسمبر السودانية خير مثال.
نحو ثورة شعبية حقيقية
هذه الاحتجاجات تمثل أكبر تحدٍ للنظام منذ 1979، لكنها تحتاج إلى وحدة وتنظيم للنجاح أكثر،وحتى أن غياب القيادة الموحدة محل الشك القديم المتجدد(بين بهلوي، رجوي، والأقليات) أو كون بعضها أذرع كولنيالية قد يؤدي إلى إضعافها، كما في 2022، لكن الانتشار الجغرافي والاقتصادي يجعلها أقوى. أما القوى الإمبريالية، ففشلها في إثبات سيطرتها يعكس حدودها وأن التدخل قد يعزز النظام بينما الدعم الحقيقي يجب أن يكون للشعب دون استغلال.
وأي المسارات أخذت هذه الاحتجاجات تظل تثبت أن أصوات الشعوب هي التي تشكل التاريخ رغم محاولات تطويقها وإذا ما استمرت بهذا الشكل قد تكون 2026 نهاية النظام بإرادة الداخل.
ودالسك



