“النطق بحكم علي كوشيب أمام المحكمة الجنائية الدولية وتطلعات النازحين وأسر ضحايا الإبادة الجماعية في وادي صالح وسط دارفور

بقلم: عبدالماجد الطاهر محمد أحمد (صمت القبور)
تُعد العدالة الدولية إحدى الركائز الأساسية التي تستند إليها حماية الكرامة الإنسانية في حالات النزاع، لا سيما حين تعجز الأنظمة الوطنية عن القيام بدورها في المحاسبة والإنصاف. وفي سياق الجرائم واسعة النطاق التي شهدها إقليم دارفور منذ عام 2003، برزت المحكمة الجنائية الدولية كملاذ أخير للضحايا وأسرهم للبحث عن الاعتراف القانوني بجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. إن محاكمة علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف بـ”علي كوشيب”، لا تمثّل فقط حدثاً قضائياً، بل لحظة أخلاقية وإنسانية تتقاطع فيها مشاعر الناجين وتطلعات النازحين وصوت القانون الدولي الذي طال انتظاره.
فالنازحون وأسر الضحايا، الذين طحنتهم سنوات النزوح وفقدان الأحبة وتدمير المجتمعات، يرون في الحكم المرتقب ليس مجرد إجراء قضائي، بل خطوة على طريق الاعتراف بإنسانيتهم وجبر الضرر وإعادة الاعتبار لأصوات أُريد لها أن تصمت قسراً. كما أن هذه اللحظة تختبر فعالية منظومة العدالة الدولية وقدرتها على ترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب، وتحويل الألم المتراكم إلى حق مستعاد وذاكرة موثّقة.
العدالة والذاكرة الجماعية:-
يشكّل اقتراب النطق بالحكم على علي كوشيب أمام المحكمة الجنائية الدولية لحظة فاصلة في مسار العدالة الدولية، وفي ذاكرة سكان دارفور، لا سيما النازحين وأسر ضحايا الإبادة الجماعية في ولاية وسط دارفور ومنطقة وادي صالح على وجه الخصوص. فبعد سنوات طويلة من الألم والتهجير والبحث عن الاعتراف والإنصاف، يرى الضحايا وذووهم بأن محاكمة كوشيب تمثل بارقة أمل ومساراً نحو عدالة تأخرت كثيراً، لكنها لم تسقط بالتقادم أو النسيان.
تُعد الانتهاكات التي اتُّهم بها كوشيب جزءاً من أبشع ما شهدته دارفور منذ اندلاع النزاع في مطلع الألفية. فقد ارتبط اسمه بالمليشيات المعروفة بالجنجويد، وبمجازر وادي صالح ومكجر وبندسي وغيرها من المناطق التي شهدت جرائم قتل جماعي واغتصاب وتهجير قسري ونهب منظم وطمس للقرى. هذه الجرائم لم تكن أحداثاً عابرة، بل تركت ندوباً عميقة في البنية الاجتماعية والذاكرة الجمعية، وشتّتت مئات الآلاف من العائلات.
كما أن الناجين والنازحين ليسوا مجرد أرقام أو ملفات قانونية، بل حَمَلة ذاكرة حية لوقائع الإبادة والتهجير والاعتداءات الجماعية. لقد تحولت معسكرات النزوح إلى أرشيف إنساني مفتوح يختزن الشهادات والقصص والوجع، ويعيد تشكيل الوعي الجمعي حول ما حدث وما يجب أن يحدث لاحقاً. فالذاكرة هنا ليست للماضي فحسب، بل لحماية المستقبل من التكرار وإسناد حق العودة وجبر الضرر.
التطلعات الإنسانية والسياسية للضحايا والنازحين:-
النازحون الذين يعيشون منذ أكثر من عقدين في معسكرات تفتقر لأبسط مقومات الحياة، يرون في الحكم المرتقب لحظة اعتراف بمعاناتهم وفرصة لاستعادة جزء من الكرامة المسلوبة. تطلعاتهم تمتد نحو الإدانة الصارمة، وجبر الضرر، والتعويض، والاعتراف الدولي بهم، وتوسيع دائرة العدالة لتشمل بقية المسؤولين عن الجرائم.
أما أسر الضحايا الذين قُتلوا أو اختفوا قسراً، فينظرون إلى المحاكمة كخطوة لرد الاعتبار لأولئك الذين قضوا دون وداع أو تحقيق. مرارة الفقد لا تُمحى، لكن الاعتراف بدماء الضحايا يمنح ذويهم شعوراً بأن صمت العالم بدأ ينكسر، وأن الألم الممتد يجد أخيراً من يسجله ويواجهه.
سياسياً، تمثل المحاكمة ضغطاً مباشراً على النخب الحاكمة في السودان، القديمة منها والجديدة. فقد وفّر النظام السابق مظلة إفلات من العقاب طيلة سنوات، لكن وصول كوشيب إلى لاهاي ومحاكمته أعاد ترتيب معادلات السلطة والمساءلة. كما أن الحكم يمهّد الطريق لملاحقة بقية المتهمين مثل عمر البشير وأحمد هارون وغيرهم، ويضع العدالة كشرط أساسي لأي عملية سلام أو انتقال سياسي حقيقي.
ولا تنفصل هذه التطلعات عن الحق في العودة الطوعية إلى القرى والأراضي الأصلية. فالعودة ليست مجرد انتقال مكاني، بل استعادة لهوية انقطعت قسراً وضمانة لألا يُعاد تهجير الأجيال مرة أخرى. ويتطلب ذلك إعادة الإعمار وتوفير الأمن والخدمات وتحقيق الاعتراف القانوني بما جرى.
أفق الحكم ومسار المستقبل:-
إن لحظة النطق بالحكم على علي كوشيب ليست مجرد نهاية إجراء قضائي، بل بداية لمسار طويل تتداخل فيه العدالة مع السلام والمصالحة وإعادة بناء الحياة. الحكم المرتقب يحمل إمكانات متعددة: إدانة واضحة تعزز الثقة في القضاء الدولي، إعادة الاعتبار للضحايا، فتح الباب أمام محاكمات أخرى، وإسقاط ثقافة الحصانة.
في وادي صالح ووسط دارفور، ما زالت القرى المدمرة، والعائلات المشرّدة، والذاكرة الحية شاهداً على أن الدم لم يجفّ بعد. لكن هذه اللحظة تمنح أملاً بأن العالم لم يعد غافلاً، وأن حقوق الضحايا يمكن أن تتحول من صرخة في الخلاء إلى مسار عدالة دولية معترف به.
برقية أمل وختام:-
هذه المحاكمة تحمل رسالة واضحة: صوت الضحية أقوى من السلاح، والذاكرة تنتصر على الصمت، والعدالة وإن تأخرت قادرة على فتح بوابة المستقبل. إنها لحظة يقول فيها الناجون والنازحون وأسر الشهداء إن الحقيقة لا تموت، وإن جبر الضرر ليس حلماً، بل حق ينتزع.
قد لا تعيد العدالة من رحلوا، لكنها تضع حاجزاً أمام تكرار المأساة، وتمنح من تبقى فرصة لكتابة مستقبل مختلف. وما يحدث اليوم ليس نهاية القصة، بل بداية إثبات أن قضية دارفور لم تعد هامشاً منسياً، بل منعطفاً إنسانياً وسياسياً يرسم شكل الوطن ومعنى الإنصاف.
إن البرقية التي ينتظرها الضحايا ليست فقط حكماً يُتلى في لاهاي، بل اعترافاً بأحقيتهم في الحياة والكرامة والعودة والذاكرة، وانتصاراً لقضيتهم التي صمدت في وجه الصمت والنسيان.



