ألف يوم من الجحيم: السودان والعالم الذي أدار ظهره

بقلم: د.ابن عوف أحمد
ألف يوم. ألف فجر يستيقظ فيه السودانيون على صوت القصف وقعقعة السلاح. ألف ليلة يخيم فيها الظلام على مدن كانت تنبض بالحياة. ألف صباح يفتح فيه أطفال عيونهم على الجوع والخوف بدلاً من الأمل. منذ الخامس عشر من أبريل 2023، والسودان يغرق في حرب تحولت من صراع بين جنرالين إلى كارثة إنسانية يتجاهلها العالم، بينما يدفع شعب بأكمله الثمن.
في ألف يوم، يمكن أن يولد طفل ويتعلم المشي والكلام. في ألف يوم، يمكن أن تُبنى مدن وتُزرع حقول. لكن في السودان، ألف يوم كانت كافية لتحويل دولة بأكملها إلى جحيم على الأرض، حيث القتل والاغتصاب والتجويع أصبحت يومية عادية، والعالم يتفرج صامتاً وكأن الأمر لا يعنيه.
الأرقام تصرخ بصوت لا يريد أحد سماعه. عشرات الآلاف من القتلى، لكن الرقم الحقيقي ربما يكون أضعاف ذلك في بلد انهارت فيه كل أنظمة التوثيق. خمسة عشر مليون نازح ولاجئ، واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، لكنها لا تحظى بعشر الاهتمام الإعلامي الذي تحظى به أزمات أخرى. أكثر من خمسة وعشرين مليون إنسان على شفا المجاعة، نصف سكان بلد يُترك ليموت جوعاً في القرن الحادي والعشرين.
لكن الأرقام، مهما كانت صادمة، لا تروي القصة كاملة. لا تخبرك عن آلاف النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب الممنهج في دارفور، حيث أصبح العنف الجنسي سلاح حرب يُستخدم لتدمير مجتمعات بأكملها. لا تخبرك عن الأطفال الذين يموتون من أمراض كان يمكن علاجها ببضعة دولارات، لو وصلت إليهم المساعدات. لا تخبرك عن الأمهات اللواتي يشاهدن أطفالهن يتضورون جوعاً دون أن يستطعن فعل شيء. لا تخبرك عن الجثث التي تُترك في الشوارع لأسابيع لأن لا أحد يستطيع دفنها في ظل القصف المستمر.
في دارفور، تتكرر مأساة العقد الأول من الألفية، لكن بوحشية أكبر. قرى كاملة تُحرق عن بكرة أبيها، وسكانها إما يُقتلون أو يُجبرون على الفرار عبر الصحراء نحو تشاد. المذابح الجماعية التي وثقتها منظمات حقوقية تحمل كل سمات التطهير العرقي، لكن العالم لا يريد استخدام هذا المصطلح لأنه يستوجب فعلاً. في الخرطوم، التي شهدت معارك طاحنة لشهور قبل أن يستعيد الجيش السيطرة عليها، تحولت أحياء كاملة إلى أطلال. المستشفيات نُهبت والجامعات دُمرت والبيوت أصبحت أشباحاً من الإسمنت المحروق.
أكثر من أربعة ملايين طفل انقطعوا عن التعليم. جيل كامل يُسرق منه المستقبل، لا لشيء سوى أنه وُلد في المكان والزمان الخطأ. في مخيمات النازحين، حيث يعيش الملايين في خيام لا تحميهم من حر الصيف اللافح ولا من برد الشتاء القارس، يكبر هؤلاء الأطفال وهم لا يعرفون سوى الحرب والجوع والخوف. الصور التي تسربت من مناطق المجاعة تُظهر أجساداً صغيرة تحولت إلى هياكل عظمية، بطون منتفخة وعيون غائرة، مشاهد ظننا أنها اختفت مع القرن العشرين، لكنها عادت في 2025.
والعالم؟ العالم مشغول. الأمم المتحدة تصدر بياناً هنا وتحذيراً هناك، كلمات منمقة عن “قلق عميق” و”دعوات ملحة” لوقف العنف، لكن دون أي فعل حقيقي. لا عقوبات جدية على قادة الحرب من الطرفين، لا ضغط حقيقي على الدول التي تمدهم بالسلاح والذخيرة.
المساعدات الإنسانية التي تصل قطرة في محيط من الاحتياج. منظمات الإغاثة تعمل في ظروف مستحيلة، تُعرقل من قبل الطرفين المتحاربين اللذين يستخدمان الجوع كسلاح. طرق الإمداد مقطوعة، والحصار على مدن مثل الفاشر يحول حياة مئات الآلاف إلى جحيم بطيء. الموت بالتقسيط، تحت أنظار العالم.
اللاجئون السودانيون يصلون إلى الحدود بقصص تقشعر لها الأبدان. عبروا الصحراء سيراً على الأقدام، شاهدوا الموت عن قرب، فقدوا أحبابهم في الطريق. في مخيمات تشاد وجنوب السودان، يعيشون في ظروف لا إنسانية، بلا مستقبل واضح ولا أمل في العودة قريباً. النساء والأطفال، الأكثر ضعفاً، يواجهون مخاطر جديدة من استغلال وعنف في بيئة لا توفر لهم الحماية الكافية.
ألف يوم من الحرب تعني ألف يوم من الصمت الدولي المخزي. تعني ألف يوم من المعاناة تُضاف إلى سجل عار الإنسانية في القرن الحادي والعشرين. السودان لا يحتاج إلى مزيد من البيانات أو التعاطف الزائف . يحتاج إلى ضغط حقيقي على من يغذي هذه الحرب، إلى عقوبات فعلية على قادتها، إلى ممرات إنسانية آمنة، إلى إرادة دولية جادة لإنهاء هذا الكابوس.
ألف يوم أكثر من كافية. الشعب السوداني دفع ثمناً باهظاً لحرب لم يخترها. يستحق أن يعيش بكرامة وسلام، لا أن يموت في صمت بينما العالم منشغل بأولوياته الأخرى.



