خبراء: رد البرهان على “الناجي” محاولة لاحتواء غضب الخارج

(تقرير) 7 مارس 2026 – اعتبر قانونيون ومحللون أن تحرك قيادة الجيش السوداني السريع ضد القيادي بالحركة الإسلامية الناجي عبد الله على خلفية تصريحاته المساندة إيران، محاولة لتفادي غضب جهات خارجية، في ظل ما وصفوه بتساهل السلطات مع مخالفات قانونية سابقة صدرت عن ذات المجموعة ضد مواطنين سودانيين.
وكان القيادي الإسلامي الناجي عبدالله قد ظهر وسط مسلحين بزي الجيش السوداني، وهو يتوعد أمريكا وإسرائيل بالقتال ضدهما في ايران حال قررا إرسال قوات برية.
وبعد ساعات من حديث الناجي الذي وجد تداولاً واسعاً، خرج البرهان مهددا ومتوعداً ما وصفهم بـ”المهرجين” بأن يفتحوا أعينهم وألا يتحدثوا في أمور لا تعنيهم.
وقبل حديث البرهان كان المتحدث باسم الجيش أصدر بيانا تبرأ فيه من المجموعة العسكرية التي ظهرت في مقطع الفيديو وهي تعلن استعدادها للمشاركة في القتال إلى جانب إيران، وأن إجراءات قانونية ستتخذ في مواجهتهم.
واعتبر الخبراء في تصريحات لـ”دروب” إن التصريحات الغاضبة ضد المجموعة المساندة لإيران لا يعكس بالضرورة تحولاً في الموقف بقدر ما يعبر عن محاولة لاحتواء تداعيات التصريحات على الصعيد الخارجي.
عدالة انقائية
قال الخبير القانوني المعز حضرة إن التصريحات والتهديدات التي صدرت في وقت سابق عن الناجي عبد الله لم تقابل بأي تحرك من قبل حكومة الأمر الواقع، رغم ما وصفه بارتكابه أفعالاً جسيمة خلال الحرب، بينها التحريض على انتهاكات خطيرة مثل بقر البطون وقطع الرؤوس.
وأوضح حضرة، في تصريح لـ“دروب”، أن المفارقة تكمن في طريقة تعامل البرهان مع مثل هذه التصرفات، مشيراً إلى أنه “يبدو أكثر خشية من ردود الفعل الخارجية، لا سيما في ما يتعلق بالتوترات المرتبطة بالحرب الإيرانية، مقارنة بتعامله مع التجاوزات الداخلية الصادرة عن عناصر من الحركة الإسلامية”.
وأضاف أن البرهان، حين تحدث عن وجود “مهرجين”، لم يسمِّ الجهات أو الأشخاص الذين قصدهم، متسائلاً عن سبب تجنب الإشارة الصريحة إلى انتماءاتهم.
وبيّن حضرة أن الأفعال والتصريحات المنسوبة إلى الناجي عبد الله يمكن أن تندرج قانونياً تحت عدة مواد في القانون الجنائي السوداني، من بينها المواد (51، 57، 63، 65)، وهي مواد تتعلق بتقويض النظام الدستوري، والتعاون مع جهات خارجية، وإثارة التذمر ضد الدولة، وإذكاء النعرات.
وأشار إلى أن الناجي تحدث – بحسب وصفه – “كما لو كان يمثل الدولة”، الأمر الذي قد يفتح الباب لمساءلة قانونية وفق هذه النصوص.
وشدد حضرة على أن جوهر القضية لا يقتصر على النصوص القانونية، بل يتصل بما وصفه بـ“العدالة الانتقائية” في التعامل مع تصرفات وتهديدات عناصر الحركة الإسلامية ضد المواطنين السودانيين، لافتاً إلى أن بعض هذه العناصر – وفق قوله – اعتادت القيام بأفعال متعددة دون تدخل من الدولة، من بينها التحريض على إشعال الحرب قبل اندلاعها في 15 أبريل، وهي أفعال يجرمها القانون الجنائي لكنها لم تواجه بأي مساءلة.
وتساءل حضرة عن سبب تصاعد غضب البرهان تحديداً عندما ارتبطت التصريحات بالولايات المتحدة، معتبراً أن الأمر يرتبط بحسابات سياسية تتعلق بالضغوط الخارجية واحتمالات تأثير تلك التصريحات على موقعه في السلطة.
وختم حديثه بالقول إن ما يجري “يعكس حالة من العبث والاستهتار بمبادئ العدالة وسيادة القانون”، معتبراً أن ردود الفعل الرسمية لا تتجاوز محاولة تفادي غضب الولايات المتحدة وبعض دول الخليج.
تداعيات خارجية
من جانبه، لم يستبعد المحلل السياسي الدكتور مصعب فضل المرجي، أن يؤثر ظهور عناصر إسلامية في مقاطع فيديو تهدد الولايات المتحدة وتعلن الاستعداد للحرب ضدها على مستقبل قادة الجيش والحكومة في المدى القريب.
وقال فضل المرجي، في تصريح لـ“دروب”، إن العالم بات ينظر إلى أنظمة الإسلام السياسي باعتبارها تهديداً للأمن الدولي ومصالحه، مشيراً إلى أن ظهور عناصر ترتدي زياً عسكرياً وتعلن “الجهاد” قد لا يمر دون تداعيات.
وأضاف أن مثل هذه المشاهد قد تعيد السودان إلى مربع العزلة الدولية، وربما تدفع الولايات المتحدة – بصفتها راعياً رئيسياً لجهود السلام في السودان – إلى المطالبة بانسحاب قادة الجيش من المشهد السياسي، بل وحتى إبعادهم إذا اعتُبروا مرتبطين بتنظيمات قد تُصنّف كأذرع غير مباشرة لإيران في المنطقة.
وأعرب فضل المرجي عن استغرابه من استمرار الحركة الإسلامية في استخدام خطابها القديم الذي، بحسب قوله، أسهم في إدخال البلاد في أزمتها الحالية، مؤكداً أنه إذا لم تُعد الحركة صياغة خطابها السياسي فستظل معزولة داخلياً وخارجياً.
وفي ما يتعلق برد فعل البرهان على تصريحات الناجي عبد الله، قال فضل المرجي إن القائد العام للجيش لم يكن أمامه سوى الرد الفوري لرفع الحرج وإبعاد شبهة سيطرة الحركة الإسلامية على المؤسسة العسكرية، وهو ما فعله – بحسب وصفه – باستخدام أسلوب حاد.
وأضاف: “رغم سرعة رد فعل البرهان تجاه تصريحات الناجي، فإنه لن يستطيع الاستمرار طويلاً في مهاجمة الإسلاميين أو اعتقالهم، لعلمه بأنهم يمثلون أحد أهم الداعمين لبقائه في السلطة”.
مخالفات قانونية
بدورها قالت الخبيرة القانونية نفيسة حجر، إن قراءة الحيثيات المرتبطة بتصريحات الناجي تظهر أن القضية لا تندرج في إطار إبداء الرأي السياسي فحسب، بل تتقاطع مع نصوص واضحة في القانون الجنائي السوداني لسنة 1991.
وأوضحت حجر، في تصريح لـ“دروب”، أن ما صدر عن الناجي يثير إشكالات قانونية تتجاوز حدود حرية التعبير، مشيرة إلى أن ظهوره مرتدياً البزة العسكرية رغم كونه مدنياً قد يندرج تحت جريمة انتحال الصفة وفق المادة (157) من القانون الجنائي.
وأضافت أن أخطر ما ورد في حديثه يتعلق بإعلانه امتلاك “كتائب” و“مسيرات” تتبع لتيار سياسي خارج إطار الدولة، وهو ما قد يثير شبهة تكوين تنظيم أو جماعة مسلحة غير قانونية وفق المادة (65)، التي تحظر إنشاء مليشيات أو تشكيلات مسلحة موازية للمؤسسات الرسمية.
كما أشارت إلى أن التصريحات التي تضمنت تهديدات ضد دول أو إعلان ولاء لمحاور خارجية يمكن تفسيرها قانونياً باعتبارها أفعالاً قد تضر بالعلاقات الدبلوماسية للسودان، إذ تمتلك الدولة صلاحية تقييد أي نشاط من شأنه تعريض مصالحها أو أمن مواطنيها للخطر أو وضعها في موقف عدائي على المستوى الدولي.
وخلصت إلى أن أي إجراءات توقيف محتملة في مثل هذه الحالة، وإن بدت في ظاهرها تطبيقاً لنصوص القانون الجنائي المتعلقة بإثارة الحرب أو انتحال الصفة، فإنها قد تعكس أيضاً إجراءً سيادياً يهدف إلى ضبط الخطاب المرتبط بالعلاقات الخارجية وإدارة تداعياته في ظل الظروف الحساسة التي تمر بها البلاد.



