أصدقاء دروب

سيول كارثية وتعدين سام.. حين يتحول المطر إلى تهديد وجودي

عبدالمنعم العمرابي

في قلب النوبة، حيث كانت الأمطار حكراً على نسمات خفيفة تنعش الأرض، أصبح المطرُ اليوم وحشاً مفترساً — يُطلق سيلاً جارفاً يحمل في طياته أطلال الطين والتربة، ومخلفات التعدين السامة التي تصل إلى قلب المياه التي نروي بها أراضينا، ونشرب منها في بيوتنا.

بيوت الطين والطوب الأخضر في مواجهة السيول المدمرة

المناطق النوبية، تاريخياً، لم تُبن للتعامل مع هطول كمّيات غزيرة من الأمطار. المنازل التقليدية المصنوعة من الطين والطوب الأخضر لم تكن مصمّمة لتتحمّل موجات السيل. واليوم، زخّات المطر، التي تحوّلت إلى سيول جارفة بفعل التغير المناخي وسدود متعددة، أصبحت تهدّد السلامة الجسدية والبيوت والطرق بشكل متكرر.

التهديد الأكبر: جرف السموم إلى مجارينا المائية

ما يدمي القلب ليس فقط انهيار المنازل، بل ما تحمله السيول من زئبق وسيانيد—مخلفات التعدين العشوائي لعشرات السنين—تُنسكب من مواقع التعدين إلى النيل مباشرة، تاركة وراءها سماً يصعب إيقافه.

الأرقام المرعبة: عندما تتحدث البيانات عن الكارثة

  • دراسة حديثة في منطقة دُرملي بولاية نهر النيل أظهرت أن التربة وحوض الفيضانات تعاني مستويات تلوث شديدة بالزئبق، في حين أن التربة الزراعية والسكنية تُظهر مستويات تلوث معتدلة، ولكنها لا تزال تشكّل تهديداً خصوصاً للأطفال الذين يستهلكون الهواء المحيط أثناء تبخّر الزئبق الممزوج بالغبار.
  • في أبو حمد، أظهرت قياسات أن تركيز الزئبق في التربة القريبة من مناطق حرق الألغام وصل إلى 34.8 ملغم/كغم، بينما الماء وصل إلى 3.26 ميكروغرام/لتر، ومعامل الخطر الصحي للأطفال تجاوز 33، ما يعكس تهديداً مباشراً للغاية.

كما أظهرت دراسة أن نسبة من يعانون تسمماً في مناطق التعدين تبلغ 35% للزئبق و41% للسيانيد، في حين تُستخدم مياه النيل مباشرةً دون تنقية، مما يُفاقم الوضع الصحي.

شهادات من دول أخرى: الطوفان لا يعرف حدوداً

لا يمر ما يحدث في النوبة دون سابقة عالمية:

في غانا: أدّت مخلفات التعدين العشوائي إلى تسمم الأنهار واستهلاك مائي ملوث، واستدعت الأزمة إنفاقاً حكومياً ضخماً على معالجة الموارد المائية.

في البرازيل: انهار سد لمخلفات التعدين في ولاية ميناس جيرايس، فطمر قرى ومزارع بأكملها تحت السيل السمّي.

في نيجيريا: شهدت ولاية زامفارا كارثة صحية عام 2010، حين جرفت السيول مخلفات تعدين ذهب ملوثة إلى القرى، ما أدى إلى تسمّم عشرات الأطفال.

نداء استغاثة: من حماية المياه إلى الأمن القومي

الوضع الراهن في النوبة ليس ترفاً يُمكن تجاهله، بل تهديدٌ للأمن الصحي والغذائي والوجودي:

الحلول العاجلة المطلوبة:

  1. محطات تنقية مياه فاعلة يجب أن تُبنى على الفور، تشمل تعقيماً دقيقاً وإزالة الجسيمات الثقيلة والملوثات.
  2. منطقة آمنة للتعدين بعيدة عن مجاري السيول، وخاضعة للرقابة الحكومية، لوقف تحوّل الفضلات إلى كارثة بيئية.
  3. برامج توعوية للمجتمعات المحلية حول مخاطر استخدام مياه النيل والسموم المرتبطة بها.
  4. تفعيل حظر الزئبق والسيانيد كما تم الإعلان عام 2019، وضمان الالتزام الفعلي بالقوانين على الأرض.

أخيرا

لنترك المطر يروي الحياة، لا يقتلها

إن هطول المطر ليس بديلاً للموت، لكنه رمز للريّ والأمل، لا للسم والفناء. علينا أن نقرأ هذه الأزمة بجدية: إذا انهار الماء الذي نعيش منه، فإن كل ما بنيناه ينهارُ معه… فلنحمي مياهنا قبل أن تحمينا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى